لعل من المناسب أن نعرف الحرية العلمية بأنها إطلاق العنان لسلطان العلم عن طريق البحث والتقصي والاستقراء، والمقصود بالحرية العلمية تلك النتيجة التي يتوصل إليها الباحث عن طريق المنهج التحليلي أو الوصفي أو الاستقرائي.
ولا شك أن الإسلام يدعو إلى العلم وإلى التفكير العلمي باعتباره موصلا إلى معرفة الله عز وجل، يقول عبد المتعال الصعيدي"ومن الطبيعي أن يدعو الإسلام إلى العلم بعد دعوته إلى التفكر، لأن التفكر نتيجة العلم والمعرفة، الغرض الذي يدعو الإسلام إلى طلب العلم، هو الغرض الذي يدعو إلى طلب التفكر، والغاية التي تقصد من طلب العلم هي الغاية التي تقصد من طلب التفكر، لأنه لا فرق في هذا بينهما، فالعلم إنما يطلب في الإسلام لأن من شأنه أن يوصل إلى الإيمان بالله تعالى، العلماء هم الذين يمكنهم الوصول إلى هذا، لا الجهلاء" [1] .
وقد رفع الله من شأن العلم إلى المستوى الذي ليس بعده مرتقى وإلى النهاية التي ليس بعدها غاية، يقول الله (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) {الزمر/9} .
كما أن الله تعالى أسند الخشية له على العلماء، وجعل مدار خشيتهم لله على معرفتهم بهذا الكون وأسراره، وما يشمل عليه من أقسام ومخلوقات حيث يقول عز من قائل (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ {فاطر/27} وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) {فاطر/28} .
على أنه لا يمكن الوصول إلى الحقائق العلمية إلا بالوسائل العلمية، كالبحث والتحليل وغيرهما من آليات المنهجية العلمية، ولشرف الغاية تشرف الوسيلة الموصلة إليها أيضا، وبما أن العلم غاية شريفة، فإن الوسيلة إليه شريفة أيضا على أن الحرية العلمية هي واسطة العقد بين الوسيلة والغاية.
ولعل الحرية العلمية تقود إلى حرية الفكر التي سنوردها في الفقرة اللاحقة.
الحرية الفكرية
يعرف المناطقة الفكر بأنه حركة النفس في المعقولات [2] .
ويمكن تعريف الحركة الفكرية بأنها إعمال الفكر في المعقولات والتصورات والتصديقات، واستخراج القضايا الفكرية من النصوص الدينية على أن التفكير طبيعة بشرية وفطرة إنسانية، خلق الله الإنسان عليها، وهي فرق بين الإنسان والحيوان، ومن المعلوم أنه في مقدمة التكاليف الشرعية، الإيمان بالله عز وجل وهو مما يحصل من طريق السمع أو من طريق العقل، أو منهما معا وطريق العقل معناه التفكر في خلق الله تعالى وعندما سئل أعرابي بم عرفت ربك أجاب قائلا"إن البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير فهيكل سفلي بهذه الكثافة وهيكل علوي بهذه اللطافة، ألا يدلان على الصانع الخبير" [3] .
وقد أثنى الله على الذين يعملون فكرهم في تدبر خلق هذا الكون يقول الله (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) {آل عمران/191} وكما قال (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ
(1) حرية التفكير في الإسلام، ص 25.
(2) السالمي، عبد الله بن حميد، طلعة الشمس، ج1، ص 75 تحقيق عمر حسن القيام.
(3) الجناوني، كتاب الوضع، ص 5، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.