واعتبرهم أخوة لساداتهم في الإنسانية فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فان كفلتموهم فأعينوهم" [1] .
على إن التعبير بالأخوة في هذا الحديث الشريف، لإثارة الشفقة عند السيد ممن يملكهم من الرقيق، ولكي يكون بهم رحيما، لأن الإنسان تثور فيه عواطف المحبة لأخيه، وتلك المحبة لا شك تتبعها الشفقة والرحمة والعطف والإحسان، لذلك كان اختيار لفظ الأخوة من النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أوتي جوامع الكلم - له مدلوله الإنساني الكبير.
4 -أمر الإسلام بالعتق وحث عليه بمنتهى القوة والعزم، جاعلا إزاء ذلك الأجر العظيم والثواب الجزيل يقول الرسول عليه الصلاة والسلام"أيما رجل اعتق امرءًا مسلما استنفذ الله بكل عضو منه عضوا من النار" [2] ، وما ذلك إلا ترغيب في إيجاد الحرية الشخصية لبني الإنسان، حتى لا يبقى هذا الإنسان الذي كرمه الله تعالى بالخلق في أحسن تقويم، ويسر له الرزق العميم وسخر له الكون بأسره، في أسر رق أخيه الإنسان، ويرقى الإسلام بموضوع تحرير الرقيق إلى أن جعل الأجر مضاعفا، لمن أدب جاريته تأديبا حسنا، ثم يعتقها ويتزوجها، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام"أيما رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم اعتقها وتزوجها كان له أجران" [3] .
لأن الإنسان المسلم بطبيعة الحال يتوق إلى الثواب ويرغب في الأجر لا سيما إذا كان ذلك الأجر والثواب في الآخرة.
والحرية الشخصية تقودنا إلى الحرية الدينية وهي ما سنعرفه في الفقرة التالية.
الحرية الدينية
الحرية الدينية هي عبارة عن حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية، فلا يكون لغيره من الناس سلطان عليه فيما يعتقده [4] .
وليس في الدين إكراه أو جبر على اعتقاد عقيدة ما، لقول الله تعالى (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) {البقرة/256} وقوله تعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) {يونس/99} وقوله (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) {الكهف/29} وقد نسب إلى الطاهر به عاشور في كتابه التفسيري التحرير والتنوير [5] أنه قال بأن الآية (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ناسخة لحديث"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله"، ولم يتح لي الرجوع إلى التفسير المذكور.
وعلى أي حال فإن الحرية الدينية وضع أقر الإسلام الناس عليه بعد امتثالهم للضوابط السيادية للإسلام، وتلك الضوابط مذكورة بالتفصيل في الفقه الإسلامي.
والحرية الدينية تترتب عليها الحرية العلمية، وهي ما نتناوله في الفقرة التالية.
الحرية العلمية
(1) رواه البخاري.
(2) رواه البخاري.
(3) رواه البخاري والبيهقي.
(4) عبد المتعالي الصعبدي، حرية الفكر في الإسلام، ص 12.
(5) د. حسن مزيو، جلة التنوير العدد الخامس جامعة الزيتونة، تونس ص. 163 ..