الصفحة 9 من 18

المطلب الثاني

تكريس السنة النبوية لفكر الاعتدال ضمن علاقة الإنسان بالبيئة.

ينبغي ألا يغيب عن بال أحد من الدارسين الأهمية القصوى للتربية البيئية في الإسلام وارتباطها بحياة الإنسان الذي كرمه الله على سطح هذا الكوكب، ففي الوقت الذي يظهر حرص الإسلام ورعايته للبيئة نابعا من الحرص الشديد على احترام الحياة ومقوماتها على سطح الأرض، تسير في ذات المنحى تجليات أخرى عديدة لا تقل أهمية في التأكيد على الحرص على كشف الحجاب أمام رؤيا الفرد المسلم عن مقومات البيئة والأبعاد التي يصب فيها دوره باعتباره خليفة الله تبارك وتعالى في الأرض، سيما وأن الفهم الصحيح للبيئة يحقق القدرة على التفاعل معها بأسلوب أمثل يكفل الحفاظ عليها بما يحقق -في آن معا -التوازن في المصالح والأهداف.

ولعل استجلاء النظم الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية في ضوء علاقة الإنسان بها يشكل الهدف الذي ذهب إلى تحقيقه الإسلام من خلال مختلف النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وذلك كله حتى لا تلج الإنسانية إلى مرحلة يصعب معها الخروج من المآزق التي تعود بالكارثة عليها حال التفريط بتلك الأحكام.

والواقع أن دور السنة النبوية في هذا المقام لا يقل أهمية عما ذهب إليه كتاب الله العظيم، حيث يشكل هذا الدور تفسير وإتمام ما سطره كتاب الله العظيم في مواضع متعددة [1] 11).

فمن جهة أولى؛ حثت السنة النبوية على العمل النافع ورفضت الإضرار بالغير كيفما كان الضرر، فقد ورد عن ابن عباس قوله:"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: اتقوا الملاعن الثلاث، قيل: ما الملاعن الثلاث يا رسول الله؟ قال: أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه، أو في طريق أو في نقع ماء" [2] .

في هذا التوجيه النبوي حث على صحة البيئة ونظافة الماء الذي هو أساس الحياة، وفي ذات السياق؛ ورد عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"اتقوا اللعانين؟ قالوا وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم" [3] .

تظهر تلك الأحكام النبوية الشريفة المقصد الذي رمت إليه سنة المصطفى من منع الإساءة إلى منافع الغير من عموم البشر مما هو لصيق بما سخره الله سبحانه وتعالى لهم في الأرض، من ظل وماء وهواء .... إذ أحلت اللعنة على كل من آذى الناس أو ألحق بهم أي من أوجه الأذى القائم على الإضرار بالانتفاع بتلك المنافع.

إن إشارات السنة النبوية لا يستغنى عنها في عالم اليوم في سبيل الحفاظ على البيئة، ومع ملاحظة أنه لم يكن ثمة مشاكل بيئية معقدة في عصر الرسالة كما هو الحال اليوم .. وما جاء في السنة النبوية لا يقف عند مجرد الإشارات وإنما هي تربية موجهة تشمل الفرد والمجتمع في آن واحد، يتجلى ذلك في المجالات التي ارتادتها حتى شملت ما يعرف اليوم بالحجر الصحي، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يوجهنا أنه إذا ظهر الطاعون في بلد أن لا نخرج منه وألا ندخل إليه [4] ، هذا إلى جانب توجيهه في مجال تلوث الماء وحفظ الطعام إذ كان يأمر بتغطية أواني الأكل والشرب، فقد روى جابر - رضي الله عنه - قال: (أمرنا النبي

(1) ينظر: القرضاوي، رعاية البيئة في شريعة الإسلام، دار الشروق، ط1، 1421 هـ 2001 م وصلاح عبد السميع: التربية البيئية في الإسلام- مفهومها، أهدافها.

(2) رواه أحمد، المسند، حديث (2580) .

(3) رواه مسلم، كتاب الطهارة، حديث 269.

(4) رواه البخاري، كتاب الطب، حديث (5289) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت