إن الحديث عن البيئة في القرآن يجد صداه في عشرات الآيات، حيث تضمنت في مجملها الحديث عن نعمة الله جل وعلا وتسخيره ما في الكون لمصلحة الإنسان، فقد ذكرت الأرض في القرآن 287 مرة إجمالا، وأن أزيد من نصف هذا العدد متصل بموضوع البيئة، كما ذهبت هذه النصوص القرآنية إلى التحذير من أن أي خلل في المقادير والوظائف التي خلق فيها الله تعالى الإنسان والتي أنزله بها لا يبرح أن يعد ناقوس خطر يتهدد الحكمة من الخلق ويعطل المخلوقات عن أداء وظيفتها [1] 10).
ولما كان من غير المتسع ذكر جميع هذه النصوص القرآنية في هذا المقام، فقد كانت الحكمة أبلغ في الوصول إلى النتيجة التي شدد فيها تبارك وتعالى في كتابه العزيز على التفكر في خلقه وبديع صنعه، وحذر من مخاطر التفريط والإفساد في الأرض ونهى عن كل ما من شأنه العبث في هذه الموازين، وهيأ للطغاة العذاب الشديد، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ] 11: سورة البقرة [.
وإذا كان ليس محلا للخوض في الحقائق العلمية الثابتة والراسخة وفق ما توصل إليه العلم الحديث، فإن ما لا يجب أن يغيب عن أذهاننا القول إن مختلف الحقائق العلمية التي توصل إليها العلماء متأخرين وجدت دالتها في كتاب الله العظيم، وكان السبق فيها للقرآن الكريم، ومن هنا تجد أن ما غدا يتهدد البشرية من مخاطر بيئية معاصرة ليس إلا مما حذر منه تبارك وتعالى بني البشر من التفريط وعدم التدبر في خلقه والإسراف في التعاطي مع عناصر هذا الكون الموزون.
إن النتيجة التي لا مراء حولها تستقر على القول باحتلال البيئة مكانة سامية في كتاب الله العزيز الذي رسم معالم هذا الكون وحدد موازينه ورسم خطى التعاطي معه من قبل بني البشر، بيد أن كل ما أضحى يتهدد الإنسان من مخاطر بيئية لا يعدو أن يشكل سوى تغييب لتلك الحقائق وتجاهل لها، وهو ما حذر منه تبارك وتعالى في كتابه العزيز.
ولما كان للقرآن الكريم الفضل في رصد طبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة، مشيرا فيها إلى حكمة وجود الكون وأسس بناء هذا الأخير بما فيه من موجودات، وإلى الآلية التي على الإنسان فيها التفاعل مع تلك العناصر كمكونات للبيئة كوحدة موضوعية ومادية في آن معا، فقد دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كثير من المواقف وشدد على هذه الأنساق كقاعدة تضمن التوازن البنّاء بين مصلحة الإنسان والحاجة إلى الاستمرار المادي للبناء البيئي من دون أية مشكلات أو مخاطر (المطلب الثاني) .
(1) نفس المرجع، ص12 - 13.