إن مراعاة هذا النظام الذي وضعه الله للمخلوقات بحسب علمه وحكمته سبحانه، هو الذي يكفل أن يؤدي كل مكون أو عنصر من عناصر البيئة ومكوناتها دوره المرسوم بدقة وانسجام، وأما تجاوز الإنسان وتماديه على هذا النظام فيؤدي إلى فساد لا تحمد عقباه.
يذهب أحدهم إلى القول أن تعرية البيئة الغابية سيؤدي إلى جملة النتائج تاليا:""
1)اختفاء معظم الأشجار التي تعتمد عليها كثير من الحيوانات، ملجأ وأوكارا، ومصدرا للغذاء.
2)تعرية التربة وتعرضها للانجراف، وما يعقب ذلك من عجز الأرض عن امتصاص الماء، وازدياد خطر التصحر.
3)خلخلة دورة الأكسجين وثاني أكسيد الكربون، باعتبار الأشجار مصدرا بل مصنعا متجددا للأكسجين، ومستهلكا لثاني أكسيد الكربون، وأن نقصان الأشجار يزيد من درجة التلوث الهوائي.
4)تقليل تبخر الماء الناتج عن الأشجار بسبب قطعها، وما يترتب عليه من جفاف وقلة الأمطار" [1] 9)."
هذا النموذج من أبسط صور العلاقة التي يمكن أن تنجم عن فشل التعاطي مع فكرة التوازن بين الإنسان والمحيط، ليتأتى معه التساؤل حاضرا في الأذهان؛ بالقول ما هي الأسانيد التي تكفل صحة القول بوجوب السعي نحو الحفاظ على البناء البيئي ضمن أسس متوازنة في العلاقة بين تلك الأخيرة والإنسان؟
نجد الإجابة عن هذا التساؤل ونظائره في كتاب الله جل وعلا ضمن سلسلة النصوص القرآنية التي دللت في مجموعها على تلك الحقائق القاطعة البيان، فقد ورد في ذلك قول الله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ] 85:سورة الأعراف [، وجاء في محكم التنزيل قوله جل وعلا: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ] 41: سورة الروم [، وقوله تعالى: {من قتل نفسا بغير حق أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميع} ، وقوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} ] 32: سورة المائدة [، وقوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ] 60: سورة البقرة [، وقوله: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} ] 19: سورة الحجر[.
يظهر من جملة هذه الآيات وغيرها كيف سخر الخالق جل وعلا هذا الكون للإنسان وجعله بكل عناصره وحدة عضوية تحقق خدمة الإنسان وتلبي حاجاته، كما يظهر في الوقت ذاته نهي الخالق عن الإفساد في الأرض بعدما هيّأها سبحانه لخدمة الإنسان، ونهيه عن العبث فيما أرساه على أسس وقواعد متسقة ومتوازنة، ودعوته إلى الإقساط وعدم الإسراف في التعاطي مع عناصر البيئة التي نحيا بها وتحيا بنا، فإذا بنا لا نحسن التدبير ولا التسيير، لتترتب العواقب التي حذر منها سبحانه في قوله: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ]195: سورة البقرة [.
(1) مصطفى صالح باجو: مشكلات البيئة من منظور إسلامي، بحث منشور على الموقع الإلكتروني www.geocities.com/icrbsh/mandor.htm .