الصفحة 10 من 18

-صلى الله عليه وسلم - أن نوكي أسقيتنا ونغطي آنيتنا) [1] فالطعام والشراب عرضة للتسمم مما قد يتسبب في إيذاء الحياة والأحياء، بل أي حرص أكبر من حرصه - صلى الله عليه وسلم - من انتقال العدوى في مجتمع فقير لا يملك إلا أقل القليل من الحاجيات فينهى عن النفخ أو التنفس في آنية الشرب: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس بالإناء) [2] .

وشملت هذه العناية والحماية كافة المخلوقات، فالحيوانات في السيرة النبوية موضع رعاية وعناية وعطف وإحسان، فهو - صلى الله عليه وسلم - يُميل الإناء للقطة حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها [3] . كيف لا وهي مسخرة للإنسان وفي الوقت ذاته تؤدي وظيفتها في البيئة والحياة إلى جانب الإنسان، فلا غرابة أن ينهى النبي عن قتل بعضها، ويحض على رعاية بعضها الآخر بطريقة غير مسبوقة في تاريخ البشرية، فهذه امرأة تدخل النار في هرة حبستها حتى ماتت فلا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض [4] . وها هو فتى من الأنصار يلام أشد اللوم لقلة اهتمامه بجمله وعدم قيامه بواجبه نحوه وتحميله مالا يطيق [5] .

وقد أضحى هذا منهجًا يلتفت إليه أولو الأمر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عماله ألا يحمّلوا الإبل فوق الذي تطيق وألا يضربوها بالحديد (20) .

كما أرسى فقهاء المسلمين ضوابط شرعية في هذا المجال، وقد عد ما كتبه العلامة المغربي أبو علي بن رحال [6] 21) من روائع ما تناوله فقهاء المسلمين في الإحسان إلى الطير، إذ ذهب إلى ضرورة أن يتفقد الإنسان ما بحوزته من الطير كما يتفقد أولاده، حتى أنه لم يهمل البعد النفسي والبيئي للطائر حين لاحظ ضرورة أن توضع خشبة ليركب عليها الطائر حتى لا يضره الوقوف على الأرض [7] .

وفي ضوء ذلك ينبغي أن لا ننأى عن هذا المنهج الخاص الذي نهجته السنة في الحفاظ على البيئة ودفع الأذى عنها.

ومما ينبغي أن لا يفتنا ذكره أن المقصود بالأذى لا يتوقف عند حدود تلك الصور فحسب، وإنما يمتد إلى ما سواها في مجالات بيئية متعددة شكلت امتدادا لهذا المفهوم وبأنماط جديدة. فلعل القطع والاجتثاث الأهوج للغابات والأشجار ضرب من ضروب الأذى، ولعل التلوث الإشعاعي النابع من سباق التسلح النووي لهو ضرب من ضورب الأذى، ولعل التلوث الكيميائي واسع الانتشار والمترتب على جشع البلدان الصناعية لهو ضرب من ضروب الأذى ... وإذا ما أردنا حصر هذه الأشكال ضمن واقعنا المعاش نجده جهد عصي علينا طالما ظهرت وبوتيرة متسارعة أنماطٌ جديدة من أشكال الأذى مصدرها الإنسان ولكنها ليست بإنسانية في حقيقتها.

لقد كان للسنة النبوية الفضل في التأكيد على أهمية البيئة بسائر مقوماتها، وقد اكتشف العلم جملة من الحقائق التي ذكرها القرآن وفسرتها سيرة وأحاديث المصطفى

(1) رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها حديث (354) .

(2) رواه ابن ماجه، كتاب الاتربة، حديث (3418) ، رواه الترمذي، كتاب الاتربة عن رسول الله، حديث (1811) .

(3) رواه ابن داود، كتاب الطهارة، حديث (68) ، رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، حديث (361) .

(4) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، حديث (3071) .

(5) رواه الترمذي، كتاب الطهارة عن رسول الله، حديث (85) .

(20) ... ابن عبدالحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الامام مالك بن أنس واصحابه، ص103.

(6) الامام الحافظ الفقهيه، العلامة ابو علي، الحسن بن احمد بن محمد بن الليث الكشي ثم الشيرازي الشافعي، من أعيان القراء والحفاظ والفقهاء ولد في حدود العشرين وثلاثمائة، أنظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، الجزء السابع عشر، ص210.

(7) د. كمال رزيق، دور الدولة في حماية البيئة، ص103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت