الصفحة 11 من 18

-صلى الله عليه وسلم -، وإن في قوله وفق ما رواه أنس بن مالك عنه: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل) (23) لهو خير دليل على أهمية هذه الدعوة وارتباطها بالوجود المادي للإنسان [1] 24). إذ نعلم أنه بقيام الساعة لم يعد ثمة مجالا للحياة على هذا الكوكب، بل هو بدء للمصير المحتوم، ونعلم أنه بقيام الساعة يسوى كل شيء بأمر الله تعالى دون أن يكون لأحد مجال في فعل أدنى ما يخالف تلك الاعتبارات، ومع ذلك نجد في هذا التعبير البليغ حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على حث الناس في واقعهم المعاش على ضرورة الاهتمام بمقومات الحياة على سطح هذا الكوكب، فغرس الأشجار والنبات عامل من عوامل التوازن البيئي الذي يحقق مصلحة الإنسان على الأرض، ولطالما تحدث العلم عن ذلك بحقائق ثابتة لا تقبل العكس قطعا، لا بل نجد أنه حين غدا شائعا العمل بعكس هذه الأسس ظهرت المشكلات البيئية بدءًا من ثقب الأوزون ومرورا بالتغيرات المناخية وانتهاءً بذوبان الكتل الجليدية وارتفاع درجات الحرارة، حيث لا زالت العجلة تسير ...

لقد كان للسنة النبوية أبلغ الأثر في تكريس جملة المبادئ الإسلامية باعتبار أن الإسلام هو دين ودنيا وسلوك وعمل وأداء للتواصل والتقدم المنشود، وكانت جملة هذه المبادئ تتجه حول وعي الفرد وتحديد دوره في صنع المستقبل، وتطوير وسائل الانتاج والحث عليها، وتطوير الفكر الاقتصادي، والحث على تنمية الثروة النباتية، والدعوة إلى تنمية الثروة المائية والحيوانية لقوله - صلى الله عليه وسلم - (لا يبوّلن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه) [2] ، وقوله (أوكئوا قربكم واذكروا اسم الله وخمّروا آنيتكم واذكروا اسم الله) [3] .

صفوة القول؛ ذهبت السنة النبوية في مواقع وحيثيات عدة إلى تأكيد الدعوة على الاهتمام بالبيئة بسائر عناصرها المادية من ماء وهواء ونبات .... ، وحمّلت الإثم إلى من يخالف الثوابت المستقرة في هذا الكون وتوعدته بالعقاب الشديد، لا بل عدت هذا الجانب من العبادات وطاعة الرحمن، وحذرت من مخاطر مخالفة ومعصية الله في ذلك، الأمر الذي يقودنا إلى القول -بالمحصلة- إن هذا الاهتمام البالغ يشكل قرينة لا تقبل العكس على العلاقة التي تربط الإنسان بالبيئة باعتبارها الجسم الحاضن له ليحيا وينعم بخيراتها عبر أسس تتطلب منه السعي إلى إعمارها باعتباره خليفة الله بما لا يتأتى معه هدر كامل تلك المكتسبات متناسيا في الوقت نفسه حاجة مَن بعدهُ إلى الانتفاع بتلك المكتسبات ضمن أسس معقولة ووفق نسق من التوازن لا يقبل تغليب الكفة على الأخرى.

إن للبعد الذي كشفت عنه الحقائق العلمية المعاصرة أبلغ الأثر في العودة إلى الاحتكام إلى كتاب الله وسنة نبيه حيث يعود الفضل، على أن ما استجد من مشكلات وبمنظور أقوام مختلفة الانتماءات لا ينأى بنا عن جادة التفكير في الكيفية التي تعاطت معها سائر الثقافات من شتى القوميات والأمم مع مختلف المشكلات البيئية الناجمة عن تغاضي الإنسان إلى الحكم بما أنزل تبارك وتعالى وبسنة نبيه الأمين (27) .

(1) رواه البخاري، كتاب الوضوء، حديث (232) ، رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، حديث (339) .

(2) جعفر عبد السلام: الإسلام والحفاظ على البيئة، سلسة فكر المواجهة (16) ، منشورات رابطة الجامعات الإسلامية، ص159 - 161.

(3) رواه البخاري، كتاب الأشربة، حديث (5192) ، رواه مسلم، كتاب الاشربة، حديث (3756) .

(26) رواه مسلم، كتاب الأشربة، حديث (3756) .

(27) د. علي الملكاوي، البيئة والصحة، دراسة في علم الاجتماع الطبيعي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1995م، ص17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت