كما يدعونا الإسلام إلى إتقان العمل والتفاني فيه والإخلاص له، وهي كلها أسس سليمة وضرورية لأي تطور علمي وتقني، يؤدي في النهاية إلى الاستخدام الأمثل والأنسب والمتوازن لموارد البيئة [1] 29).
وإذا كان من الصعب تتبع كافة السلوكيات السلبية، والتي لا تتفق مع الأهمية التي أولاها الإسلام للبيئة، فإن ما يواجه العالم اليوم من مصاعب بيئية متشابكة هي الأكثر تعقيدًا في تاريخ البشرية، يجعل الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى وجود تربية بيئية بصورة تطبيقية وليست نظرية، لتجنب مخاطر سوء استخدام البيئة في العالم.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام هو أن حدوث أي خلل أو تدهور في النظام الإيكولوجي [2] يفضي -بلا شك- إلى أخطار تضر بكل مظاهر الحياة على سطح الأرض، سيما وأن الرؤية البيئية واسعة، واحتمالات التدهور لا تقتصر على المرحلة الآنية وإنما تطال المستقبل المنظور وغير المنظور [3] .
والواقع أن القراءة العلمية للمعطيات الراهنة تكشف عن واقع هذا التهديد الذي طال خطره الحياة على سطح هذا الكوكب.
فمن جهة أولى كان لسوء التعامل مع مفردات التطور الصناعي أثره المباشر على ظاهرة التلوث بصفة عامة بشتى أنماطها، فسواء تعلق الأمر بتلوث الهواء أو الماء أو الغذاء، فالنتيجة واحدة قوامها ان ثمة أثرا سلبيا أحاط بهذا الجانب من جوانب السلوك المتمثل - في أبعاده الدنيا - بإنتاج الطاقة والصناعات المعدنية والبتروكيماويات والنقل ومنها؛ الكبريت وأكسيدات النيتروجين وأول أكسيد الكربون [4] 32) ... بحيث ألحقت هذه النشاطات أضرارا مباشرة على الصحة البشرية عانى منها على الأقل ملايين البشر ممن ليس لهم علاقة بهذه النشاطات سوى حصاد همومها.
فقد أودت - على سبيل المثال لا الحصر- ملايين الأطنان من غاز أول أكسيد الكربون مضافا إليها ملايين أخرى من الغازات السامة بحياة ملايين البشر، إذ كل ما هناك هو اتحاد هذا الغاز بخضاب الدم الذي يتولى طرد الأكسجين الناقل له، إذ أن اتحاد هذا الغاز مع خضاب الدم أقوى من اتحاده بالأكسجين، مما يسبب نقصا في مد الخلايا بالأكسجين، فيقل -بالتالي - معدل خفقان القلب، ويزداد تعب الجهاز التنفسي ... الخ [5] 33).
ولعل ثمة من يسأل كيف بالإنسان ان يكون الجلاد وهو الضحية في الوقت نفسه؟، فنرد على ذلك بالقول أنه باستثناء بعض الظواهر التي من الممكن ان تحدثها
(1) د. زين الدين عبد المقصود، البيئة والإنسان رؤية إسلامية، دار البحوث العلمية، الدار العربية
للنشر، 2001، ص13.
(29) نفس المرجع، ص13.
(2) النظام الايكولوجي يطلق على العلاقة الوظيفية بين مكونات أو عناصر البيئة الطبيعية، فهي وإن استقلت عن بعضها في مسمياتها، إلا أنها ليست كذلك في واقعها الوظيفي، فهي في حركة ذاتية دائبة من ناحية، وحركة توافقية إنسجامية فيما بينها من ناحية أخرى في ظل نظام معين غاية في الدقة تحكمه النواميس الكونية الإلهية.
(3) د. زين الدين: البيئة والإسلام، رؤية إسلامية، دار البحوث العلمية، الكويت- الطبعة الأولى 1986،ص38.
(4) محمود أحمد حميد: أهم المشكلات البيئية في العالم المعاصر، دار المعرفة-دمشق، الطبعة الأولى، 1995م، ص 66 ..
(33) نفس المرجع، ص66.
(34) مختار محمد كامل: البيئة وعوامل التلوث البيئي وطرق إنقاذ البشرية، مركز الإسكندرية للكتاب، 1997، ص27 - 28.