المبحث الثاني
حدود الالتزام بالتدابير الشرعية والنظرية في الحفاظ على البيئة.
لما كان للتدابير الشرعية أبلغ الأثر في تقويم النفس البشرية والعناية بسائر أنماط الحياة ومفرداتها، واحتلت البيئة مكانة رئيسة ضمن هذه المفردات المتكاملة، فقد غدا مهما بالنسبة إلينا البحث في الجوانب التطبيقية لتعاليم الإسلام كدين ودنيا وسلوك وعمل، سيما وأن الجانب التطبيقي لتلك الأحكام عائد كليا إلى الإنسان.
من جهة أخرى ارتبط البحث في الكيفية التي تحقق للإنسان العمل من خلالها في حماية البيئة بمفهومها الواسع بالتدابير القانونية سواء على المستوى الوطني أو الدولي كنهج يمكن من خلاله الحكم على تلك الجهود ومدى انعكاس ما أصّل إليه كتاب الله وسنة نبيه -سيما في المجتمعات الإسلامية- على الأفراد والجماعات فيها.
إن الإمعان في أصول الالتزام بالتدابير الشرعية والنظرية في الحفاظ على البيئة يكشف عن حقيقتين أساسيتين تتجلى الأولى في غياب البعد التطبيقي لتعاليم الشريعة الإسلامية ضمن سلسة الممارسات اللامنهجية في التعاطي مع البيئة (المطلب الأول) ، بينما تتجلى الثانية في هشاشة التدابير التشريعية في ملامسة المشكلات البيئية المعاصرة (المطلب الثاني) .
المطلب الأول
غياب البعد التطبيقي لتعاليم الشريعة الإسلامية
ضمن سلسة الممارسات اللامنهجية في التعاطي مع البيئة
بات مسلما بعد سرد الإطار المفهومي للعلاقة بين الإنسان والبيئة كمكنونة عضوية تحتوي على سلسلة من التفاعلات البينية المؤدية إلى اعتبار كل واحدة منها ضرورة كونية تشكل معجزة من معجزات الخالق تبارك وتعالى في تسخيرها لخدمة الإنسان، وبالتالي ضرورة تصور هذه العلاقة على نسق من الوعي الكامل من الإنسان بهذه الأدوات والعمل على استيعاب الحقائق القادرة على الحفاظ على هذه المكتسبات بشكل يضمن مصالح الفرد والجماعة واستمرارية الحياة في آن معا.
غير أن ثمة حقيقة ماثلة للعيان مؤداها أن ثمة تفاعلا سلبيا قوامه القفز على التشريعات والقيم والسطو على قوانين وأنظمة الطبيعة بغية الاستحواذ الفردي الهادف إلى إشباع المصالح الذاتية دونما أية عناية بمستلزمات تلك القوانين أو متطلباتها.
فعلى سبيل المثال يشير الواقع إلى غياب مفهوم التربية البيئية عن مناهج التعليم في مراحله المختلفة وفي شتى بلدان العالم الإسلامي فضلًا عن وجود منهج واضح يؤصل لدى الأجيال قيم احترام البيئة بأبعادها المادية والمعنوية (28) .
وإذا كان اهتمام الإسلام بالعلم لا ينكر، فهو - على الأقل - يكشف بعض أسرار الكون ويدعم الإيمان، ومع ذلك لا نلمس في مجتمعاتنا اهتمامًا كافيًا بالتطور العلمي والتقني مما ينعكس سلبًا على قدرات الإنسان وإمكاناته في استغلال موارد بيئته وتنميتها وصيانتها والمحافظة عليها من خطر التدهور. وتدل الدراسات أن معظم مشكلاتنا من جوع وتصحر واستنزاف للموارد الطبيعية وغيرها إنما يرجع بدرجة كبيرة إلى حالة التخلف العلمي والتقني لسكان منطقتنا.