حاربنا، فان اسلم عصم دمه وماله ولو لم يكن ممن فعل القتال لم نقتله ولم نكرهه على الإسلام"وقال في موضع آخر"ثم صار أكثر أهل الشام وغيرهم مسلمين طوعًا لا كرهًا فان أكراه أهل الذمة على الإسلام غير جائز، كما قال الله تعالى: {لا إكراه في الدين} ، قال ابن القيم وابن كثير وهذا نفي في معنى النهي أي: لا تكرهوا أحدا على الدين [1] .
وقد ظهر مقتضى هذا النص القرآني في الاجتهادات الفقهية المستنبطة منه، ومن ذلك ما ذكره ابن قدامة من انه لو اكره غير المسلم على الإسلام لم يترتب حكم الإسلام وهو رأي الإمامين (أبي حنيفة والشافعي) كما حكى عنهما ابن قدامه بقوله: (وإذا اكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه ... فاسلم لم يثبت له حكم الإسلام، حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا ... وان رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام، وبهذا قال أبي حنيفة والشافعي) [2] وذكر أبو حيان الأندلسي في تفسيره عن مذهب المالكية ان منع الإكراه في العقيدة شامل للكفار الذين لا كتاب لهم (ومذهب مالك ان الجزية تقبل من كافر سوى قريش فتكون الآية(لا إكراه في الدين) - خاصة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم، لا يقف ذلك على أهل الكتاب. [3]
وقد اعترف المنصفون من غير المسلمين بهذا السماحة وحسن التعامل فقد كتب البطريرك المسيحي (سيمون) من مرو إن العرب الذين أورثهم الله ملك الأرض لا يهاجمون الدين المسيحي ابدًا ... أنهم يساعدوننا في ديننا ويحترمون إلهنا وقديسنا [4] .
ويرى المستشرق ارنولد سير توماس: إن الإسلام لم ينتشر بالسيف وإنما انتشر سلمًا بفضل الفقهاء والقضاة والحجاج والتجار، وان الشعوب رحبت بالمسلمين لإنقاذهم من الحكومات الظالمة التي اضطهدتهم [5] .
هذا وان بعض الباحثين انتهى إلى تأصيل تطبيقات الحرية المتصلة بحقوق الإنسان على اعتبار أنها أمر إنساني وعام وإنها منبثقة من المصالح الضرورية للبشر [6] . ويرى بعضهم ان حرية العقيدة أو حرية الدين أصل من أصول الإسلام وقد استقر هذا المعنى في نفوس الفقهاء وترجموه إلى قاعدة واصل فقهي في معاملتهم لغير المسلمين في دار الإسلام فقالوا أمرنا أن نتركهم وما يدينون [7]
مبادئ الحرية الدينية وضوابطها
إن مبادئ الحرية الدينية على نوعين: احدهما ايجابي، بالاعتراف بها وحمايتها والآخر سلبي بمنع التدخل من الدولة فيها ومنع الاعتداء عليها.
والتخريج الشرعي لهذه المبادئ بنوعيها له طريقان:
الأول:
إن الحريات العامة - بما فيها الحرية الدينية - تندرج تحت إباحة الشارع التي تقع على الأفعال، بمعنى أن الفرد مخير بين فعلها وتركها وهذه هو مقتضى الحكم التخييري
(1) على بن محمد الشهراني حرية الاعتقاد رؤية شرعية 472 من أبحاث المؤتمر العالمي عن الاجتهاد والإفتاء في ماليزيا وقد أورد أقوالا عديدة في تفسير المراد به، وفي سبب نزولها وهو تهود بعض أبناء الأنصار قبل الإسلام وتنصر ابني (أبي الحصين) ومضيهما للشام قبل فتحها والمنع من إكراه أبنائهم على الإسلام.
(2) المغني 10/ 96 عبدالله بن احمد بن قدامة (ت 620 هـ) دار الفكر، بيروت 1404هـ
(3) البحر المحيط 2/ 0281
(4) روح الإسلام 265 سيد أمير علي"دار العلم للملايين بيروت 1977 ط4"
(5) الدعوة إلى الإسلام ص 132 و 331 ط (2) 1957م
(6) الانسان وحقوقه لدى المسلمين والغربيين رضوان السيد بحث في مجلة التسامح
(7) معالم المرحلة الاسلمية للدكتور محمد سلام مدكور 147