الحرية الدينية والتنوع المذهبي
إن المساس بالحرية الدينية لا يقع في حالة اختلاف الدين فقط بل يحصل أيضا مع اختلاف المذاهب سواء كانت عقدية أو فقهية. نشهد هذا في المذاهب (الطوائف) لدى الملل الأخرى ولدى الأمة الإسلامية وكم شنت حروب في الغرب بين الكاثوليك والبروتستانت، وحصلت مصادمات ومضايقات بين أصحاب المذاهب الكلامية (العقدية) أو الفقهية في الشرق بسبب الاختلاف في الحكم على التصرفات أو تصنيف الأشخاص وضيق الصدر من كل طرف بما عليه الطرف الآخر من اعتقاد أو اتجاه فقهي بحيث يرى كل صنيع الآخر منكرًا ويشن الحملة عليه.
لقد تقرر في الفقه أن للخلاف الفقهي في الحكم له أثرا مخففا، وان وجوب الإنكار في المنكر إنما يكون فيما اجتمع عليه فأما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لان كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد ولا يُعلم. ولم يزل الخلاف بين السلف في الفروع، ولا ينكر احد على غيره مجتهدًا فيه، وإنما ينكرون ما خالف نصًا أو إجماعا قطعيًا أو قياسيًا جليًا.
وهذا إذا كان الفاعل لا يرى تحريمه، فان كان يراه فالأصح الإنكار. وفي ذلك يقول الإمام سفيان الثوري (إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه) وعن الإمام احمد روايات مجملها - على ما ذكره أبو يعلى - لا ينكر في المسائل الخلافية إلا إذا ضعف فيها الخلاف.
وفي تفصيل هذا يقول ابن تيمية (إذا لم يكن في المسالة سنة ولا إجماع، فللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا.
قال ابن تيمية: قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: أن المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس بإتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة احد القولين تبعه، ومن قلد القول الأخر فلا إنكار عليه.
وقال النووي: إنما ينكرون ما يجمع عليه الأئمة، وأما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لان على احد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين او أكثرهم، وعلى المذهب الأخر المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه [1] .
وقد كتب ابن تيمية رسالة في إقامة العذر عن الاجتهادات التي تخالف بعضها بعضًا حتى فيما فيه نص من أية أو حديث باعتبار عدم الاعتقاد بصحة الحديث أو عدم إيراده ذلك الحكم به، أو انه منسوخ مع الأسباب التي تتفرع عن ذلك، وقد أوصلها إلى عشرة أسباب [2] وقد جاء في حديث للأستاذ محمد واعظ زاده الخراساني طرح أمور عشرة لإزالة النفور بين المذاهب ومما جاء فيها:
-إن المذاهب الإسلامية - رغم اختلافها في الفروع والمسائل الجانبية - متفقة في الأصول التي تشكل جوهر الإسلام، والتي من اعتقد والتزم بها فهو مسلم، ومن أنكرها جميعًا أو أشتاتا فليس مسلم.
-إن معظم الاختلاف بينها نشا من الاجتهاد في فهم الكتاب والسنة، أو في توثيق نصوص السنة، أو في قواعد الاستنباط، أو في تبيين تلك الأصول والتفريع عليها، ولا دخل للسياسة والأهواء في هذا الاختلاف، وان غذتها أحيانا للغلبة على الرقباء.
-بعد هذه الجهود المبذولة من قبل هؤلاء الخبراء، يجب الاعتراف بالمذاهب المعروفة كمدارس إسلامية مستمدة من الكتاب والسنة، واجتناب إنكارها، أو رميه بالبدعة، ورمي إتباعها بالكفر والفسوق، والخروج عن الدين، أو الفتيا - والعياذ بالله - بإباحة دمائهم أو وجوب إراقتها، كما حدثت في التاريخ.
-الإمساك من قبل إتباع كل مذهب عن القيام بنشر مذهبه بين إتباع المذاهب الأخرى، فهذا مثار التنازع والتقاتل [3] .
وفي هذا المجال يقول ابن خلدون: إن الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم، خلافا لابد من وقوعه واتسع في الملة اتساعا عظيمًا وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا، واختلاف وقد عقب عليه الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة بقوله: اختلاف المجتهدين ليس تفرقًا في الدين ولا تجريح فيه للمختلفين وإنما هو أمر طبيعي فطري عليه تفاوت الإفهام، كما انه اثر لاختلاف مناهج البحث وطرق الاستدلال [4]
الحرية الدينية والارتداد عن الإسلام
معنى الارتداد أو الردة: الرجوع عن الشيء إلى غيره [5] ومعناها شرعًا الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وحكم الردة القتل بضوابط شرعية ستأتي الإشارة إليها ودليل ذلك من السنة قوله - صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه [6] وحديث (لا يحل دم امرئ يشهد أن لا اله إلا الله واني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة [7] وهذه الأحاديث وان كانت من أخيار الآحاد فإنها قد تلقاها العلماء بالقبول، واحتفت بها القرائن من عمل الصحابة بها فهي تفيد العلم ويؤخذ بها في الحدود.
أما الضوابط الشرعية لعقوبة المرتد فهي:
-الإمهال للمرتد واستتابته لعله يرجع عن ردته
-أن تكون الردة بأمر لا شبهة فيه، سواء كانت بالقبول أو بالفعل
-أن يقوم بتنفيذ حد الردة أولو الأمر [8]
وقد ذهب أبي حنيفة إلى التفريق بين المرتد والمرتدة، فلا تقتل المرتدة عنده ولا يعترف بردتها والراجح مذهب الجمهور لحديث معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أرسله إلى اليمن قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فان عاد وإلا فاضرب عنقه وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فان عادت وإلا فاضرب عنقها [9] وهذا على الأصل الشرعي في اشتراك الرجال و النساء في الحدود [10] وذكروا أن الإجماع قد حصل على ذلك ن
(1) من بحث للباحث بعنوان"الوحدة الإسلامية منهجية المقارنة بين المذاهب"الدورة 11 للمجمع (11/ 3/78 - 79)
(2) رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية
(3) من بحث الوحدة الإسلامية معالمها وأعلامها، للأستاذ محمد واعظ زادة الخرساني أبحاث الدورة 11 (11/ 3/108)
(4) من كلمة للشيخ الدكتور محمد الجبير ابن الخوجة في الدورة 11 (11/ 03/200)
(5) القاموس المحيط (مادة رد)
(6) المغني لابن قدامة 12/ 288
(7) أخرجه البخاري 4/ 68 ومسلم 3/ 1302
(8) عقوبة الارتداد عن الدين 84
(9) قال بان حجر إسناد وحسن فتح البخاري 12/ 272
(10) جريمة الردة بين التعزير والحد حبيب الله زكريا 244 ومن مراجع التمهيد لابن عبد الله 5/ 16 والمغني وشرح صحيح مسلم لنووي 12/ 218