الصفحة 13 من 22

ولكن الحنابلة على الرواية الصحيحة المشهورة لا يشترطون رضا المحال للحديث الصحيح المتفق عليه: (مطل الغني ظلم، فإذا أحيل أحدكم على مليئ فليتبع) [1] وفي رواية صحيحة أخرى رواها أحمد وابن أبي شيبة بلفظ: (ومن أحيل على مليئ فليحتل) [2] أي فليقبل الحوالة، وهذا الحديث ظاهر في وجوب قبول المحال، لأن الأمر حقيقة في الوجوب، وليست هناك قرينة تصرفه عن الوجوب إلى غيره.

وقد أجاب الجمهور عن ذلك بأن الأمر ليس للوجوب هنا، وإن سلمنا أنه هنا للوجوب فإن هذا لا يقتضي صحة العقد دون رضا المحال، لأن ذلك يدخل في خطاب الوضع، وهو غير خطاب التكليف، ولا يلزم من وجوب الشيء صحته دون رضا صاحب الشأن.

ج) وأما رضا المحال عليه فلم يشترطه جمهور الفقهاء (المالكية في المشهور عندهم، والشافعية في الأصح، والحنابلة، وبعض الحنفية) وذلك لأن الحق للمحيل فله الحق في أن يستوفيه بنفسه، أو بغيره، كما لو وكل غيره بالاستيفاء، خلافًا لجمهور الحنفية الذين اشترطوا رضاه، لأنه طرف في العقد [3] .

والذي نرى رجحانه هو: إن كان المحال عليه مدينًا بدين ثابت يعترف به فلا يشترط رضاه لما ذكره الجمهور، ولكن إن لم يكن كذلك وأجزنا الإحالة عليه ـ كما هو رأى بعض الفقهاء كما سيأتي ـ فلا بدّ من اشتراط رضاه إما بالموافقة السابقة، أو الإجازة اللاحقة، حيث يكون له الرد بالاتفاق في هذه الحالة، لأنه لا يجوز إلزام أحد بعقد أو إلتزام إلاّ بناء على التزامه، أو أن يكون أثرًا من آثار تصرفاته.

مدى جواز الإحالة على من ليس مدينًا:

اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فذهب جمهور الفقهاء ـ ما عدا الحنفية ـ إلى اشتراط كون المحال عليه مدينًا بدين [4] .

وأما الحنفية والمرجوح لدى المالكية والشافعية، فقد أجازوا الحوالة المطلقة التي لا يشترط فيها وجود دين أو حق في ذمة المحال عليه، وحينئذ يكون المحال عليه متبرعًا بقبولها، بل يقوم المحيل بإرسال الحوالة إلى المحال عليه، فيقبلها، وحينئذ صحت الحوالة عندهم، وقد ذكر الحنفية أمثلة كثيرة للحوالة المطلقة، منها: أن للمرتهن حق منع الراهن عن بيع الرهن، ولحل هذه المشكلة، فإن الراهن يحيل المرتهن إلى مليئ يرضى به المرتهن ليقبل بهذه الحوالة ولو لم يكن مدينًا، وحينئذ فك رهنه، وجاز للراهن بيع العين المرهونة [5] ، إضافة إلى أن الحوالة بهذا المعنى الواسع تسع كل أنواع الحوالة المعاصرة بين البنوك.

غير أن جمهور الفقهاء [6] لم يبطلوا هذه المعاملة لو تمت، وإنما سموها: الضمان والكفالة بناءً على أن العبرة في العقود ليست بالألفاظ والمباني، وإنما بالمقاصد والمعاني، فلوا أن أحدًا أحال دائنه على زيد (مثلًا) وهو ليس مدينًا له، فقال: وافقت، صح

(1) صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ (4/ 464) ومسلم (3/ 1197)

(2) رواه أحمد (2/ 463) وابن أبي شيبة (7/ 79) ط. الدار السلفية / بمبي، وإسناده صحيح

(3) المصادر الفقهية السابقة

(4) المصادر الفقهية السابقة

(5) مجمع الأنهر (2/ 578) والمنتقى على الموطأ (5/ 68) حيث ذكر رأي ابن ماجشون بجواز الحوالة على غير المدين برضاه، ومغني المحتاج (2/ 194)

(6) شرح الخرشي (4/ 233) والمنتقى على الموطأ (5/ 69) ومغين المحتاج (2/ 194) والمغني لابن قدامة (5/ 57) ويراجع لمزيد من التفصيل مصطلح (الحوالة) في الموسوعة الفقهية الكويتية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت