الصفحة 9 من 21

وقد نصّ أهل العلم على أنَّ الجنون يسلب الولايات واعتبار الأقوال.

والمجنون إذا كان لإفاقته وقتٌ معلومٌ ولجنونه وقتٌ معلومٌ فما قاله في حال إفاقته فهو معتبر وما قال في حال جنونه لم يعتبر؛ لأنه حال إفاقته ليس مجنونًا بدليل الحديث السابق.

ثانيًا البلوغ:

لأنَّ الصبيَّ لا قصد له , ولا فهم كما تقدَّم. وهذا يشمل الصبيّ المميّز وغير المميّز, لأنّ المميّز مع كونه يفهم لكن فهمه لم يكمل.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة - رحمه الله:".. بل قد تُسْقِط الشريعةُ التكليف عمّن لم تَكْمُل فيه أداة العلم والقدرة تخفيفًا عنه؛ وضبطًا لمناط التكليف , وإن كان تكليفه ممكنًا, كما رفع القلم عن الصبيَّ حتى يحتلم وإن كان له فهم وتمييز , لكن ذاك لأنه لم يتم فهمه , ولأنّ العقل يظهر في الناس شيئًا فشيئًا , وهم يختلفون فيه , فلمّا كانت الحكمة خفيّة ومنتشرةً قُيّدت بالبلوغ"

فبناء على ذلك فإنّه لا يعتد بإذن من لم يكن بالغًا عاقلًا , وأوضح ذلك ابن القيم بقوله:"... فإن كان بالغًا عاقلًا لم يضمنه؛ لأنه أسقط حَقّه بالإذن فيه , وإن كان صغيرًا ضمنه؛ لأنّه لا يعتبر إذنه شرعًا .."

فأشار - رحمه الله - إلى أهليّة الآذن بذكر شرطيها: العقل , والبلوغ. ثمَّ فرغ على ذلك سقوط إذن الصبي وعدم اعتباره شرعًا. وهنا ينتقل حق الإذن إلى الولي , وقد جاء في قرار هيئة كبار العلماء:"أنّه لا يجوز إجراء عمليّة جراحيّة إلاّ بإذن المريض البالغ العاقل سواءً كان رجلًا أم امرأة , فإن لم يكن بالغًا عاقلًا فبإذن وليّه" (9) .

أن يكون المأذون به مشروعًا:

من شروط الإذن الطبّي أن يكون المأذون به مشروعًا , فإن كان محرّمًا , فإنّه لا يُعتبر هذا الإذن , ولا يُعتَدُّ به.

وذلك لأنَّ الشريعة إنّما أباحت للطبيب أن يُباشر جسم المريض , ويعالجه لأجل جلب المصالح , ودفعًا للمفاسد المتوقّع حصولها. أمّا حين يكون تحقيق هذه المصالح مُفضيًا إلى مفاسد عظيمةٍ , فإنَّ علّة إباحة عمل الطبيب تنتفي.

وكذلك فإنّه ليس للمريض الحق في أن يأذن لأحدٍ بأن يُباشر عليه شيئًا ممّا حرَّمه الله. وذلك لأن جسد الإنسان إنما هو ملك لله تعالى؛ كما قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (المائدة:120) (1) . ولا يحقّ لأحدٍ أن يتصرّف في ملكٍ بما يحرّمه مالكه.

أن يكون الإذن محددًا:

من شروط الإذن الطبّي أن يكون الإذن محددًا , كأن يقول المريض للطبيب: أذنت لك بعلاج كذا.

فإن لم يكن الإذن محددًا بل كان مطلقًا , بأن قال المريض للطبيب أذنت لك بفعل ما شئت لعلاجي. فهذا الإذن قد ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أنّه إذن معتبر شرعًا؛ لأنَّه لا فرق في الإذن على وجه الإطلاق أو على وجه التقييد ما دام أن المأذون به جائز شرعًا12).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت