كما سيخرج المواد المصاحبة لبعض الحقن أو التحاميل أو اللصوقات، وتحوي قيمة غذائية، كالماء أو السكر؛ لأنها وإن كانت كذلك، فإنها يسيرة فيُعفى عنها، بدليل أن الصائم لا يمكنه الاستغناء بها عن الطعام والشراب.
9 -المنافذ المعتبرة في الإفطار، هي المنافذ المعتادة للأكل والشرب حقيقة.
وهما الفم والأنف.
ولا يعني هذا عدم تفطير شيءٍ غير ما يدخل فيهما، فقد سبق أن الفطر يصدق على ما قام مقام الطعام والشراب، بحيث يكون في حكمه معنىً، كما هو الحال في الحقن المغذية، فهي مفطرة؛ لا لأن الأوردة الدموية، جوف معتبر، أو منفذ معتاد، وإنما لقيامها مقام الأكل والشرب.
10 -كل دواءٍ داخلٍ من غير المنفذ المعتبر، ووُجد طعمه في حلق الإنسان، فهو غير مؤثر.
وهذه من عبارات الفقهاء [1] ، التي لم يقبلها الطب الحديث؛ لأن الحلق ليس محلًا للذوق، وإنما أقصى حليمات الذوق في آخر اللسان، واللسان جزء من الفم.
ووصولُ شيءٍ إلى الفم غير مفطر، كما هو الحال في المضمضة، وذوق الطعام [2] .
هذا وقد ذكر عدد من الباحثين ضوابط للإفطار، ليست ظاهرة لي والله أعلم، ولذا لم أعتدّ بها، ولم أنظمها في الضوابط التي ارتضيتها وقررتها.
-من ذلك ضابط: التقوية، فكل ما كان يقوي الإنسان فهو مفطر [3] .
-ومن ذلك ضابط: خرق حاجز الإمساك [4] .
-ومن ذلك شهوة المزاج (الكيف) [5] .
وإنما لم أر اعتبارها، لما قررته في ثنايا البحث، من أن العلة الجامعة لمفسدات الصيام، هي: كل ما كان في حكم الأكل، والشرب، والجماع، وليس كل مقوٍّ، يكون في حكمهما.
كما أن ليس كل خارقٍ لحاجز الإمساك، أو ما يُشبع شهوة المزاج؛ يكون مفطرًا، إذ في ذلك توسيعٌ لمفهوم المفطرات، وهو مالم يرتضه عدد من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وقبله أبو محمد ابن حزم، رحمهما الله تعالى.
وقد سبق بيان ذلك، وذكر الراجح في موطنه.
والله تعالى أعلم [6] .
(1) وهي قولهم: لو اكتحل، أو لطّخ باطن قدمه، فوجد طعمه في حلقه؛ أفطر.
(2) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 288، 399) بحث الطبيب الخياط.
(3) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 368، 407، 408، 421) .
(4) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 375 - 376) .
(5) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 79، 81) بحث ا. د. جبر الألفي، وأبدى الاعتراض عليه عدد من المداخلين، ينظر مثلًا (2/ 426) مداخلة الخليلي.
(6) ثمة تنبيهان:
التنبيه الأول: الباحث متوقف في طرد الضابط الأول، على (الجماع) ، وهو أن كل ما كان في حكم الجماع صورة أو معنى فهو مفطر. ففي حكمه معنىً (الاستمناء) ، وفي حكمه صورةً (إدخال المنظار المهبلي، وإصبع الطبيب) ، وفي حكمه صورةً ومعنىً: (إدخال الإصبع على وجه التلذّذ) . وأنا أستشكل صورة الجماع بلا معنى كـ (المنظار المهبلي، وإصبع الطبيب) ، فلم أطمئن إلى القول بتفطيره، وإن كان القول به لازم لاطراد القاعدة.
أما الدواء الذي يحقن عن طريق الدبر أو الإحليل، فإن كان القصد منه التغذية، فهو مفطر لأنه في معنى الأكل. وإن لم يكن كذلك، فلا يفطر، حتى لو صحبه مواد ذات قيمة غذائية؛ لأمرين: 1 - كونها يسيرة. ... 2 - وغير مقصودة.
التنبيه الثاني: ليس لدي ما أطمئن إليه في علة (الخارج من الجسد) ، والذي ورد شرعًا: الاستقاء، والحجامة (على القول بأنها مفطرة) . أما الاستمناء فهذا يقال فيه: إنه في معنى الجماع، بجامع قضاء الشهوة.
فلا يظهر لي علة، وإنما الوقوف على النص، وعدم القياس. فثمة ما يخرج من جسد الصائم مما لا يفطر معه بالإجماع، وأكثرها فضلات: كالبول، والغائط، والمخاط، واللعاب، ودم الجروح؛ مما يقوي أن العلة تعبدية غير معقولة المعنى. والله أعلم.