ففي حكم الأكل والشرب صورةً: تناول الأقراص والكبسولات الطبية، وبلع الحصاة، وأكل التراب والرماد، فلا يشترط أن يكون أكلًا معتادًا، بل يكفي توافر صورة الأكل أو الشرب فيه.
وفي حكم الأكل والشرب معنىً: الحقن والعقاقير المغذية، التي تقوم مقامهما، في حال الاكتفاء بها، وغالبًا ما تكون مقصودة لذاتها.
فيخرج من هذا المواد المصاحبة لبعض الحقن، أو التحاميل، أو اللصوقات، وتحوي قيمة غذائية، كالماء أو السكر؛ فإن هذه لا تفطر؛ لأنها ليست أكلًا؛ لا صورةً (وهذا ظاهر) ، ولا معنىً (فلا يمكن الاستغناء بها عن الأكل والشرب) . وسيخرجها قيد آخر كما سيأتي.
6 -الجوف المعتبر في مجال الصيام: (معدة) الإنسان، فكل دواءٍ داخلٍ إليها؛ فهو مُفطّر.
لأن الداخل إليها لا يخلو:
-أن يكون أكلًا وشربًا حقيقةً، وهذا قد وقع الإجماع على أنه مفطر.
-أن يكون أكلًا وشربًا صورةً، كتناول الأقراص الطبية العلاجية.
-أن يكون أكلًا وشربًا صورةً ومعنىً، وهذا يتصوّر فيما لو كان ثمة أقراص طبية، أو كبسولات، يستغني فيها المريض عن الأكل والشرب. فهذه الحبوب ليست أكلًا حقيقيًا، ولكنها في حكمه لاجتماع الصورة والمعنى فيه.
7 -الدواء الداخل إلى المعدة، لا بد أن يكون مستقرًِّا فيها؛ ليكون مفطرًا.
وإنما شرطنا الاستقرار، كما تقدم في قول بعض الفقهاء؛ ليتحقق حكم الأكل والشرب فيه.
فيخرج بهذا القيد: منظار المعدة مثلًا، فهو لا يستقر فيها.
8 -كل دواءٍ داخلٍ للمعدة، مستقرٍّ فيها، لا بد أن يخرج عن حدود اليسير جدًا، والمعفو عنه شرعًا؛ ليكون مُفطرًا.
وإنما اشترطنا هذا القيد، لوجود قرائن شرعية تدل على هذا، فقد قررنا أن العلة الجامعة لمفسدات الصيام، هي: كل ما كان في حكم الأكل، والشرب، والجماع؛ صورةً ومعنىً.
وقد رأينا الشارع قد سهّل في اليسير مما يدخل في ذلك، ففي الأكل والشرب: تسامح في دخول أجزاء يسيرة جدًا من الماء إلى المعدة من أثر المضمضة في الوضوء.
ومما يؤكد ذلك طبيًا أن المرء لو مضمض بماء موسوم بمادة مشعة، لاكتشفناها في المعدة بعد قليل، مما يدل على أن ثمة قدرًا يسيرًا يُعفى عنه في ذلك [1] .
ومما وقع في نفسي أيضًا أن تقبيل الصائم لزوجته، فيه معنى الجماع بجامع قضاء الشهوة، ومع ذلك أباحه الشارع، مما يعضّد هنا أن اليسير معفو عنه.
وبهذا التقرير، يتبين إخراج ما يضاف للمنظار من ملينات، وما يدخل مع بخاخ الربو، أو قطرة الأنف، أو الأقراص اللسانية لعلاج الذبحة الصدرية.
(1) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 287) بحث الطبيب محمد هيثم الخياط، وهو بحثٌ لم يتجاوز ست صفحات، وفيه من الرصانة العلمية، والعمق الطبي، والدراية الشرعية؛ ما يفوق الوصف. فجزاه الله خير الجزاء.