فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 38

الشيء عند فوات ركنه أمرٌ ضروري، وذلك بالأكل والشرب والجماع، سواءً كان صورة ومعنى، أو صورة لا معنى، أو معنى لا صورة) [1] .

ولذلك أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية على من توسع في المفطرات، مستندًا على القياس بجامع تلك العلل المستنبطة، بكلام طويل لا يخلو من حدة [2] ، ومن أبرز ما قاله رادًا على أبرز دليل لهم، قوله: (والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر .. لم يكن معهم حجّة عن النبي -، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس ... وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها؛ لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة) ، ثم عضّد كلامه بتأصيل علمي نفيس، من عدة أوجه، يحسن مطالعته والاستفادة منه [3] .

وحاصل رأيه: تضييق دائرة المفطرات في الأكل والشرب والجماع وما كان في حكمها صورةً أو معنى، كإدخال الماء عن طريق الأنف، أو بلع الحصاة، أو أكل التراب، أو الاستمناء، أو الحقن المغذية في هذا العصر.

وقد اعتمد هذا الرأي ومشى عليه، جلّ علماء العصر ومفتوهم [4] .

المطلب الثاني

الجوف المعتبر في الإفطار

يتكرر مصطلح (الجوف) في كتابات العلماء، عند حديثهم عن مناط إفساد الصوم، ومن عباراتهم المشتركة في ذلك: (إن ما دخل إلى الجوف فهو سبب في إفطار الصائم) ، وهذا ما عنيته قريبًا من أن ثمة معنى يجتمع فيه العلماء في الجملة، وذلك في تحديد علة فساد الصوم، إلا أنه عند التدقيق، نجد أن تفسيرهم لمرادهم بـ (الجوف) مختلف.

يضيف بعض الفقهاء على هذا المصطلح قيودًا، منها: أن يكون الداخل من أحد (المنافذ) ، وهذا من المصطلحات التي تتكرر أيضًا، وسماها بعضهم (المخارق) ، ثم يأتي بعضهم ويقيده (بالمنفذ المعتاد) ، أو (الواسع) ، أو (العالي) [5] ، أو (الخَلْقي) ، أو (الطبيعي) ، وبعضهم يجعله عريًا من الوصف.

إن الجوف مصطلحٌ يشمل أجزاء متعددة، الحد الأدنى منه؛ اتفقوا على دخوله فيه، وتنازعوا فيما عداه.

فالمعدة أقل ما يدل عليه اسم الجوف، وبعضهم زاد عليه التجويف البطني، وهو ما وراء الحلق، وانتهاءً بدبر الإنسان، وهو الذي يطلق عليه الأطباء (الجهاز الهضمي) ، وبعضهم غلا حتى جعل جسد الإنسان كله جوفًا، فلو غرز آلة حادة في أي جزءٍ من جسده؛ فسد صيامه!.

(1) بدائع الصنائع (2/ 90) .

(2) وسبقه لهذا الإنكار والحدة فيه؛ ابن حزم كما سيأتي.

(3) مجموع الفتاوى (25/ 233 - 258) .

(4) منهم ممن وقفت عليه: محمود شلتوت في الفتاوى له (ص136 - 137) ، ومحمد رشيد رضا في فتاواه (5/ 2123) ، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، كما هو ظاهر من مواضع متعددة من فتاواه (15/ 257، 258، 260، 262، 263، 264، 265) ، والشيخ محمد بن عثيمين في الشرح الممتع (6/ 368، 369، 370 - 371) ، والدكتور يوسف القرضاوي في فقه الصيام (ص93 - 94) ، وغيرهم.

بل إن جلّ من أشار لهذه المسألة من أصحاب البحوث التي قدمت للمجمع في دورته العاشرة، في موضوع (المفطرات في مجال التداوي) ، قد انتصروا لهذا الرأي، وهو ظاهر قرار المجمع الذي انتهى إليه في هذا الموضوع.

وقد سبق شيخ الإسلام إلى تضييق المفطرات؛ أبو محمد ابن حزم (المحلى 6/ 203 - 204) ، وموافقته غير مُحتفل بها؛ لإسقاطه القياس من أصله، سواءً في ما يقوى فيه القياس، وما لا يقوى، كما في مسألتنا. والله أعلم.

(5) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (1/ 523) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت