فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 38

المبحث الثالث

مدرك الخلاف في مناط الإفطار

المطلب الأول

العلة الجامعة لمفسدات الصيام

إن الحديث في هذا المطلب، من مفاصل البحث في نظري، بل أكاد أجزم أن أصل الخلاف القائم بين الفقهاء والباحثين، في المفطرات المعاصرة، لا سيما الطبية منها؛ هو تحرير المعنى الذي أناط به الشارعُ فِطْر الصائم.

ثمة معنى متفق عليه في الجملة بين فقهاء المذاهب، ولا أجد ما يستدعي سرد النقول في ذلك، فقد طرق الموضوعَ عددٌ من الباحثين في هذا المجال، لا سيما أصحاب البحوث التي قدمت للمجمع في دورته العاشرة، التي سبق أن أشرت إليها، وقد ذكروا نصوصًا عن علماء المذاهب الأربعة.

وسأحاول هنا تلخيص النقول وتحريرها، سواءً من كلام العلماء المتقدمين، أو الباحثين المعاصرين؛ من الفقهاء وأهل الخبرة من الأطباء، مع التعليق على ذلك.

من نافلة القول، أن الباب يخلو من علة منصوصة من الشارع، ولم يعد أمام الفقيه سوى تلمس العلة واستنباطها، من خلال مسالك العلة المعروفة في فن الأصول.

ولذلك ينبغي أولًا بيان المفطرات المنصوصة والمجمع عليها، ومن ثم محاولة استخراج العلة الجامعة بينها.

يقول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ [1] . فالأكل والشرب والجماع، من المفطرات نصًا، وهي محل إجماع.

قال ابن قدامة رحمه الله: (يفطر بالأكل والشرب بالإجماع) [2] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (يفطر بالنص والإجماع: الأكل والشرب والجماع) [3] .

وجاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، لما سُئلت عن صوم الحائض وصلاتها، فقالت: (كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) ، وهذا لفظ مسلم [4] .

فالحيض (ويلحق به النفاس) من مفسدات الصوم نصًا، وهو محل إجماع أيضًا.

قال أبو بكر الكاساني معلقًا على حديث عائشة: (والظاهر أن فتواها بلغ الصحابة ولم يُنقل أنه أنكر عليها منكرٌ، فيكون إجماعًا من الصحابة) [5] .

وقال ابن تيمية: (ثبت بالسنّة واتفاق المسلمين أن دم الحيض ينافي الصوم، فلا تصوم الحائض، لكن تقضي الصيام) [6] .

(1) البقرة: 187.

(2) المغني (4/ 349) .

(3) مجموع الفتاوى (25/ 219) بتصرف يسير.

(4) أخرجه البخاري (321) ، ومسلم (335) .

(5) بدائع الصنائع (2/ 89، 94) .

(6) مجموع الفتاوى (25/ 219 - 220) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت