الصفحة 34 من 40

وصوّر لنا السميع البصير مبادرة المؤمنين إلى امتثال أوامره وأوامر رسوله حيث يقول عز من قائل: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (1)

فأين أصحاب (( الحرية الشخصية ) )المزعومة من أولئك؟.

ثالثا: الخطأ في فهم الآية: (( لا إكراه في الدين ) ):

ليس معنى الآية بأن للناس كلهم فعل ما يشاؤون وترك ما يشاؤون ، وليس لأحد إلزامهم على فعل الخير الذي تركوه أو اجتناب الشر الذي فعلوه ، بل المراد بالآية - والله أعلم بالصواب - كما يقول الحافظ ابن كثير: (( أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في الإسلام ) ) (2) .

وحتى هذا ليس لغير المسلمين كلّهم بل رجّح كثير من المفسرين بأن هذا الحكم خاص بأهل الكتاب ومن شابههم. وأما عبدة الأوثان من مشركي العرب ومن شابههم فلا يُقبَل منهم إلاّ الإسلام أو القتال معهم . وفي هذا يقول الإمام ابن جرير الطبري بعد نقله أقوالًا مختلفة في تفسير الآية: (( وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس ، وقال: عني بقوله تعالى ذكره: { لا إكراه في الدين } أهل الكتاب والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق ، وأخذ الجزية منه ) ).

ثم يقول مبيّنًا سبب ترجيح هذا القول: (( وكان المسلمون جميعًا قد نقلوا عن نبيّهم( أنه أكره على الإسلام قومًا فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام ، وحكم بقتلهم أن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب ، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم ، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه ، وإقراره على دينه الباطل ، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم ) ) (3) .

(1) سُورَةُ النُّورِ: 51

(2) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (1/628)

(3) تفسير الطبري (5/414)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت