الصفحة 33 من 40

قد تقدم الكلام على حقوق المرء في الإسلام وتلك الصورة الزاهرة ونضيف هنا بأن الحرية الشخصية التي منحها الإسلام للعباد هي أنه أخرج العباد من عبودية العباد ، ولا يعني هذا إخراجهم من عبودية رب العباد ، ما أحسن ما عبر القرآن الكريم عن هذا: { ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } (1)

فالمطلوب في الإسلام أن يتحرر العبد من كل من سوى الله ويصير عبدًا منقادًا مطيعًا مستسلمًا لله الواحد الخالق المالك المدبر . وهذا ما عبّر عنه سيدنا ربعي بن عامر ( مجيبًا على سؤال رستم بقوله:(( الله ابتعثنا ، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ) ).

ومن النصوص التي تدلّ على أن المؤمنين مطالبون بالاستسلام لله تعالى والعمل بجميع أوامره وترك جميع نواهيه قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (2)

يقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: (( يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه ، والعمل بجميع أوامره ، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك ) ) (3) .

وبيّن المولى عز وجل أنه لا يبقى لمؤمن ولا مؤمنه أدنى خيار بعد مجيء أمر الله تعالى و أمر رسوله ، قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا مُبِينًا } (4)

(1) سُورَةُ الزُّمَرِ: 29

(2) سُورَةُ البَقَرَةِ: 208

(3) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (1/565)

(4) سُورَةُ الأَحْزَابِ: 36

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت