الصفحة 9 من 27

الاختيار حقًّا للإنسان، ومسؤولية ما يختار تقع عليه؛ قال الله تعالى {: إنّا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كافورًا. 31}

ويأتي النص القرآني ليبيّن بشكل حاسم كيف أن الفرد مسؤول بعد تبليغه، وذلك في قوله تعالى {: وقل الحقّ من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنّا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقًا * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملًا. 32}

كل إنسان يتلقى الرسالة له حقّ الاختيار الحر، ومصيره ثمرة اختياره، فإن سلك درب الإيمان يكون له أجره، وإن سلك سبيل الظالمين والكفّار فمصيره نار جهنم يحيط به سرادقها.

هذا البلاغ الإلهي قاد إلى القول:"تتجلى الحرية في الإسلام بأجلى مظاهرها، وهي تشمل جميع الحريات المعروفة في العصر الحاضر، وقبل أن تفكر فيها المجتمعات المعاصرة التي تدّعي التحضّر، بمئات السنين. وفي مقدمة هذه الحريات الحرية الدينية (حرية المعتق) ."33

واستند القائل في موقفه بآيات من كتاب الله تعالى هي: {لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي ّ} 34، {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا إن عليك إلا البلاغ} {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} . 36

وفي سورة الغاشية يؤكد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن بعده الدعاة والعلماء، وهم ورثة الأنبياء، إنما دورهم البلاغ والدعوة، ولا سلطة لأحد على إكراه إنسان أو السيطرة عليه، قال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر} . 37

استنادًا إلى هذه النصوص القرآنية ذهب عبد المتعال الصعيدي إلى القول بأن حرية الإنسان مطلقة في اختيار العقيدة التي يؤمن بها، وله أن يبدل أو يرتد ولا سلطة عليه لأحد في كلا الحالين، بل الواجب أن تكون القاعدة هي الحوار والإقناع، والجدال بالتي أحسن. قال الشيخ عبد المتعال الصعيدي:"الحرية الدينية عبارة عن حقّ الإنسان في اختيار عقيدته الدينية. فلا يكون لغيره من الناس سلطان عليه فيما يعتقده، بل له أن يعتقد ما يشاء، في حدود ما تتجه حرية الاعتقاد، من الدعوة إلى ما يعتقده بالتي هي أحسن."

فلا يكون لغيره حقّ استعمال القوة معه في دعوته إلى عقيدته، ولا يكون لغيره حقّ استعمال القوة معه في إرجاعه إلى عقيدته إذا ارتد عنها، وإنما هي الدعوة بالتي أحسن في كل الحالات، وإذا لم يكن لغيره حقّ استعمال القوة معه لم يكن له أيضًا حق استعمال القوة مع غيره، حتى يتكافأ الناس في هذا الحق. ولا يمتاز فيه واحد دون الآخر، وإنما هي حرية مطلقة لكل الأشخاص، وحرية مطلقة في كل الأديان وحرية مطلقة في جميع الحالات على السواء."38"

إن هذا الموقف لجهة حرية المعتقد اختيارًا متفق عليه بين كل الفقهاء والمفكرين المسلمين على امتداد مسيرة الإسلام، لكن الخلاف مع الشيخ الصعيدي كان بشأن المرتد، وأغلب المواقف جاءت تقول بالعمل إلى إقراره بالعودة عن ردته بأن يستتاب وإلا يكون له عقاب بسبب ذلك، والسبب هو أن حق الاختيار عقديًا مطلق ابتداء، إنما من كان مسلمًا وارتد فإن فعله يحدث شرخًا في المجتمع وتشويشًا، ولا بد من الأخذ على يده.

وقد ورد ذكر الردة في الآية الكريمة: يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت