الكريمة: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. 28}
فالحرية التي أعطيت لآدم وحواء في قوله تعالى: {حيث شئتما} ، لها ضوابط، وحدود يجب أن لا تقربها هي في قوله تعالى {: ولا تقربا هذه الشجرة} ، وهنا مفهوم:"الحرية المسؤولة"، لأن من سلك مسلك حرية لا ضوابط لها ولا مسؤولية معها سيكون حاله كمن أكلا من الشجرة، وبسبب ذلك يكون المصير: {فتكونا من الظالمين.}
الحريات الدينية وإشكالية الرّدّة
باتت مسألة الحريات الدينية، وبشكل خاص حرية المعتقد للأقليات في مجتمع أكثر أهله على غير ما عليه الأقلية من الأمور التي يتم طرحها بشكل متزايد، وقد أسهم في هذا مزاعم الأمريكي وبعض الغرب بأنه يرعى ويحمي الحريات الدينية، ووصل الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية إلى حد تصديق الكونغرس على قانون الحرية الدينية عام 1998، وزعموا أن القانون جاء لمحاربة الاضطهاد الديني، وقد أنشأوا مكتب الحرية الدينية الدولية صيف 1998، ويكون برئاسة سفير بدون سفارة، ولهذا المكتب مهمة إصدار تقرير بشأن الحرية الدينية في العالم. وأعطوا لأنفسهم حق الرقابة والتشهير، وكانت حالهم كمن يداوي الناس وهو عليل.
أما في الإسلام فإن حرية اختيار المعتقد والانتماء الديني متروكة للفرد، وأما مهمة الرسل وأتباعهم فإنما هي البلاغ والعرض والدعوة، وبعد ذلك يُترك الأمر لإرادة الفرد لأن ذلك يجعل المسؤولية عليه، وبعدها يكون المصير ثوابًا أو عقابًا.
والقاعدة الأساسية التي بينت حرية المعتقد بأوسع معانيها هي الآية الكريمة التي جاء فيها: {لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} .29 عندما يكون العرض الدعوي واضحًا، ويظهر الرشاد والرشد وتظهر الغواية فإن الإنسان المتلقي يصبح هو المسؤول بعد أن كان له حق الاختيار، أما المكره على شيء فإنه غير محاسب عليه.
ومما جاء في أسباب نزول هذه الآية:"ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: نزل هذا في الأنصار، كانت تكون المرأة مِقلاتًا، فتجعل على نفسها إذا عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أُجليت بنو النضير، كان فيهم كثير من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندعُ أبناءنا، فأنزل الله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي.} قال أبو داود: والمقلات التي لا يعيش لها ولد."
في رواية: إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذ جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه، فنزلت: {لا إكراه بالدين} من شاء التحق بهم، ومن شاء دخل في الإسلام. وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال:"كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع."30
إن هذا السياق في عرض أسباب نزول الآية يبيّن كيف أنّه ليس من حقّ الوالدين أن يُكرهوا أولادهم على الإسلام، وهم الأقرب إليهم، فكيف الأمر بالنسبة لغير الأولاد؟
والأصل أن الإنسان له عقل يميّز بواسطته بين الأشياء، وبعد الفهم والوعي والموازنة يكون الترجيح، وتكون الإرادة ومن ثمّ القرار، وعندما يكون البلاغ يصبح