الصفحة 7 من 27

ينتمي إليها الفرد، هو التصوير الذي تضمنه حديث القوم والسفينة، ونص الحديث النبوي هو:

"مثل القائم في حدود الله والواقع منها كمثلٍ قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا."24

فالحرية ليست إباحية، ولا هي السماح لفرد أن يستبيح ما تحت يده تحت حجة أنه نصيبه، لأن التصرف بما تحت يد الإنسان بشكل لا يُراعى فيه مصير الآخرين قد يقود إلى ما لا تحمد عقباه. وبالتالي فإن إطلاق العنان للنزوات الفردية، والأطماع الخاصة غير مقبول إسلاميًا ولا جائز، فالحرية التي دعت لها الرأسمالية المتوحشة والتي كانت قاعدتها:"دعه يعمل، دعه يمر"،"Laissez faire, laissez passer"لا مكان لها في الإسلام، وإنما الحرية التي يقرها الإسلام هي تلك التي تكون الحرية فيها حرية مسؤولة يتوازن فيها أمر الحقوق والواجبات بين الفرد والمجتمع.

وهذا التوازن يتداخل ويدخل في ميادين الحياة كافة، وأي خلل في هذا التوازن يؤدي إلى انفراط العقد، وضياع القيم، وبالتالي انتفاء الحرية. ذلك لأن"الحرية بمفهومها الإنساني الشامل لا يمكن أن تحقق إلا في ظلّ مذهبية متوازنة، سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، بحيث إذا اهتزّ هذا التوازن اهتزت معها قيمة الحرية، وتوارى معناها الإنساني الواسع."25

إن الحرية في الموقع الإسلامي ليست إطلاق العنان للفرد على الطريقة الليبرالية، ولا هي طغيان للمجتمع على الفرد، وإلغاء لشخصيته على الطريقة الماركسية، بل الموازنة مطلوبة في المواقع كافة، فهذه الموازنة تحفظ وحدة المجتمع والمصالح العامة كما أنها تقرّ للفرد بخصوصياته التي لا تطاول فيها على ما يخص سواه من الأفراد.

بناء على ما تقدم يكون كل من مصير الفرد أو مصير المجتمع ناتج عن الاختيار الحر الذي اختاره الفرد في الشؤون الفردية، والمجتمع في الأمور الجماعية.

وقد أشار إلى هذه الموازنة الدكتور فتحي الدريني قائلًا:"إذا ثبت أن تقرير مصير الإنسان الفرد رهن بإرادته التي جعلها الله تعالى سببًا رتّب عليه ما يستحق - باعتباره المسبب المريد - من جزاء، ..."

واعتبرها حجّة عليه، فكذلك الأقوام والأمم، إذ السّنّة الإلهية عامة لا تتجزأ في مقتضياتها ... وهذا بيّن، في أن تقرير مصير القوم عامة لا تتجزأ في مقتضياتها ... وهذا بيّن، في أن تقرير مصير القوم بإرادتهم هم، وتبعًا لما يكون عليه التغيير نوعاّ - وقوامه الإرادة خاصة أو عامة - من الأفضل أو الأسوأ، يتعيّن نوع المصير، جزاء وفاقًا، فكان لحرية الاختيار - في منطق الإسلام - بعدها السياسي، والجماعي، كما ترى، فضلًا عن بعدها الديني والفردي."26"

تأسيسًا على ما تقدم نخلص إلى القول: إن الحرية أصل لكنها ليست فوضى، ولا بنت الأهواء بل حرية مسؤولة تلتزم الشرع قرآنًا وسنة وفقها عند عدم وجود النص، وهي حرية مضبوطة بالحدود والأحكام، قال الله تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها 27} .

ولكن الحرية لها بالمقابل ممنوعات إذا وقع فيها الإنسان يكون تعدّى وتجاوز حدوده إلى موقع المعصية، والدرس الإلهي للبشر على امتداد التاريخ منذ آدم عليه السلام إلى قيام الساعة في هذا الأمر أمر الحرية التي تقف عند حدود وممنوعات جاء في الآية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت