الفطرة سنّة إلهية عامة ثابتة، اقتضتها اقتضاء واستلزامًا سنّة التكليف والابتلاء، للتلازم بينهما ... فكانت لذلك قدرًا مقدورًا، وقضاء مبرمًا، تقطع معاذير القائلين بالتعطيل، أو السلب، أو المصادرة، أو الإلغاء، أو الجبر."19"
إن مسؤولية الإنسان الفرد جزء من مسؤولية عامة عن الإعمار، وتأمين الحاجات، وتوفير كل أسباب السعادة، وكل ما يتحقق في رحابه كرامة الإنسان وعزّته، وهذه السّنّة الكونية لا يعفى منها أحد من البشر لأن لكل إنسان كفايات ومهمات ضمن السياق العام لتكامل الأدوار، وبذلك تكون حريته بمقدار تحمّله المسؤولية الموكلة إليه.
فالإنسان ليس حرًا بأن يعطل دوره أو يتخلى عن مهامه فهذا تقصير يجلب الأذى له ولمجتمعه، وبالتالي فإنه حرّ ومسؤول في الوقت عينه، ومن يظنّ غير ذلك فإنه يذهب بالفرد والمجتمع إلى الفوضى والضعف والفساد والخلل.
يبرر الراغب الأصفهاني ذلك قائلًا:"والحكمة المقتضية هو أن الإنسان لما كان غير مكفي بتفرّده حتى لو أن إنسانًا حصل وحده لامتنع أو تعذّر بقاؤه أدنى مدة، فإن أول ما يحتاج الإنسان إليه ما يواريه، وما يغذوه، وليس، يجد ما يواريه مصنوعًا، ولا ما يغذوه مطبوخًا كما يكون لكثير من الحيوانات بل هو مضطر إلى إصلاحهما، وإصلاح ذلك يحوجه إلى آلات غير مفروغ منها، والإنسان الواحد لا توصّل له إلى إعداد جميع ما يحتاج إليه ليعيش العيشة الحميدة، فلم يكن بد للناس من تشارك، وتعاون فجعل لكل قوم صنعة وهيئة مفارقة للصنعة الأخرى ليقتسموا الصناعات بينهم فيتولى كلّ منهم صنفًا من الصناعات فيتعاطاه باعتزاز كما قال الله تعالى: {فتقطّعوا أمرهم بينهم زبرًا كل حزب بما لديهم فرحون} 20 فاقتضت الحكمة أن تختلف جثثهم وقواهم وهممهم فيكون كلّ ميسر لما خلق له."21
هذا التباين في القدرات أو التفاوت هو سنّة كونية، وحرية كل فرد تكون في إطار دوره وموقعه، وهناك يكون الاختيار، وهنا يكون العدل هو المطلوب لا المساواة. فالعدل يقوم على الموازنة بين الغُنم والغُرْم، أو الحقّ والواجب، وهذا هو المطلوب، وخيارات الإنسان الحرة تكون ضمن هذه القاعدة التي أكدها الحديث النبوي الشريف الذي جاء فيه:"لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا."22
أما مفهوم الحرية المسؤولة في الإسلام فإنه ليس مفهومًا يدعو إلى روح الأنانية، وإلى الإنفراد والانعزال، وإنما حرية الفرد تكون بأن يخرج من الأنا إلى الآخر، ومن عالم الذات إلى عالم المجتمع الأرحب بحيث يكون الفرد ضمن شبكة علاقات اجتماعية، ويكون جزءًا من نسيجها، وفي هذا المجتمع يعمل الجميع في مختلف الميادين وفق مقاصد الشريعة لعلمهم أن المرجع والمصير هو إنما الله رب العالمين.
الإسلام لا يقبل إنسانًا يتخلى عن مسؤوليته بل يريد الفرد في المجتمع. وقد قال في هذا العلامة صبحي الصالح:"إن الإسلام لا يرضى للفرد - سواء أكان عزبًا أم متزوجًا، وسواء أكان عقيمًا أم ذا بنين - أن يقضي حياته في عالم ذاته المحدود، فلا بدّ له أن ينقل الأفراد كلّهم إلى الواقع الاجتماعي الأكبر الذي تصبح فيه ذات الفرد ملكًا للجماعة، والجماعة ملكًا لله، وتمسي جهود الفرد استمرارًا لحياة المجتمع، والمجتمع كله، وإليه يُرْجع الأمر كلّه."23
تأسيسًا على ما تقدم تكون حرية الإنسان حرية مسؤولة؛ أي أنها ليست حرية مجردة من الضوابط والثوابت والقيود والمقاصد، وإنما هي حرية تلتزم كل هذه المحددات، وبكلمة حرية الفرد في التأصيل الإسلامي حرية مقيدة بمصالح المجتمع والأمة، وأجمل تصوير لهذه الحرية المقيدة بالمصالح العامة للناس كافة بدءًا من الدائرة المجتمعية التي