الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه واليه على مصر عمرو بن العاص، والتي جاء فيها:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟"
نخلص من ذلك إلى القول:"إن أساس الحرية يظهر في الحق الإلهي الممنوح للإنسان بسبب خلق الله المستقل لعبده، ووجوده المستقل، وإيجاب الحفاظ على حق الحياة المقدس، من غير تمييز لأي سبب بين الناس جميعًا، حكامًا ومحكومين، قادةً وأتباعًا، أثرياء وفقراء، علماء وجهلاء، صناعًا وعمالًا وحرفيين وأصحاب عمل. فحقّ الحرية وغيره من حقوق الإنسان، حقّ لكل إنسان على السواء، وهبة إلهية دائمة، لا تنال منه أية قوة أو سلطة او قانون أو عرف."
وتكون التكاليف الإلهية والالتزامات التشريعية تكريمًا للإنسان ذاته، فكلما كان الإنسان مسؤولًا، كان عزيزًا كريمًا، وكلما أهمل الإنسان، وتُرك من دون أي عمل أو تكليف، فذلك امتهان له، وإلغاء لوجوده، وإهدار لكرامته، والتكليف الإلهي بقصد التكريم للإنسان ذاته."15"
لا معنى للحياة بالنسبة للإنسان إن كانت خلوًا من المسؤوليات، وحمل الأمانات، والالتزام بأداء قسط من الواجب تجاه خالقه، وتجاه أقرانه من البشر، لا بل من المخلوقات كلّها، وهذه التبعات والمسؤوليات التي ينبع قرار حملها من الاختيار هي ما يجعل الإنسان بين طرفين هما: الثواب والعقاب، والمدح أو الذم، والمكافأة أو القصاص.
الحرية المسؤولة
الحرية المسؤولة المبنية على الاختيار الحر هي التي تحدّد مسار مصير الإنسان الدنيوي والأخروي. وما ذلك إلا لأن الحرية فطرة أودعها الله تعالى في الإنسان"وأراده أن يكون حرًا، يقرّر مصيره بإرادته الحرّة، في الدنيا والآخرة، يوضح هذا ويؤكده، قوله تعالى: {فمن شاء اتخذ إلى ربّه مآبًا} . 16"
وهذا أصل قرآني صريح في تقرير حرية الاختيار، إذ جُعِل مصير الإنسان النهائي، خيرًا أو شرًا، رهنًا بمشيئته الحرة، إلزامًا له بتبعة حريته، وفعله، إذا كان المآب هو المرجع والمصير، فكانت إرادته منشأ تبعته، ولا نقصد بالحجّية إلا هذا. ويؤكد هذا المعنى أيضًا"17، قوله تعالى: {تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون} .18"
إن الجزاء الأخروي لا يكون إلا مع حرية الاختيار ليكون مصير الإنسان في الدار الآخرة رهينًا بما كسب من الأفعال، كما أن سعادته الدنيوية من ثمرات ما اختار من أنواع الفعل، ومن المواقف، وهذا يلغي الإلزام الذي تحدث عنه بعضهم لأنه لو كان الإنسان ملزمًا مجبرًا على ما هي عليه حاله لما كان محاسبًا على أفعاله، فالحساب والجزاء يفرضان حرية الاختيار، وبذلك يكون الإنسان الذي أُعطي الحرية في التكليف مسؤولًا عما جنت يداه.
لقد وهب الله تعالى الإنسان العقل، وأعطاه الأعضاء المتنوعة في التكوين والاختصاص، ومعها الكثير من المواهب والملكات والاستعدادات التي تؤهله كي يعمل وينتج ويقرر ويختار ويبتكر ويكتشف، وهو المسؤول الأول إن سلك طريق الطاعة أو سقط في مهاوي المعصية، وهو المسؤول الأول عن توظيف طاقاته في سبل الخير والحق والعدل، أو عن السير بها باتجاه المفاسد وقبيح الرذائل، وأهم النعم الموهوبة العقل وهو مدار التكليف، وبعدها بعثة الرسل صلوات الله تعالى عليهم بالهدى، وبالتالي فإن الحرية المسؤولة تسلتزم وجود الشرع والعقل، وبعد ذلك لا عذر للإنسان.
لقد ذهب أحد العلماء المعاصرين هذا المذهب حين قال:"إن الفطرة الإنسانية نفسها، وملكاتها وخصائصها الباطنة، من العقل، والاستطاعة، والإرادة، من عناصر حجّة الله البالغة على الخلق، إلزامًا لهم بالمسؤولية، والجزاء، بمقتضى حرية الاختيار، لأن هذه"