يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم 39.
"قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدّت العرب إلا ثلاثة مساجد؛ مسجد المدينة، ومسجد مكّة، ومسجد جؤاثي40، وكانوا في ردّتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلّها، وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزكاة، واعترف بوجوب غيرها؛ قالوا: نصوم ونصلّي، ولا نزكّي؛ فقال الصّدّيق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش، فقاتلهم وسباهم؛ على ما هو مشهور من أخبارهم."41
وفي موسوعة فقه ابن تيمية:"الردة نوعان: الردة المجردة، وهي الردة التي يستتاب المرتد فيها، فإن تاب وإلا قُتِل؛ والردّة المغلّظة، وهي التي يقتل بها المرتد دون حاجة إلى استتابته."42 وفي الموسوعة:"لا يحكم بالردة إلا العلماء بمذاهب الأئمة، ولا يجوز تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين، وإن تسليطهم على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات."43 إن هذا التنبيه ضروري لأن أمر الحكم بالردّة ليس ألعوبة، ولا هو نزوة يطلقها أصحاب الهوى أو الجهلة، وإنما الأمر دقيق والحكم يحتاج لصاحب الحق في ذلك، وهذا يكون للمرجعيات الدينية المعتمدة كالمجامع الفقهية أو المفتين أو القضاة. ولا يكون الحكم إلا بعد المحاكمة والتبيّن، وبعد ذلك الاستتابة، وإذا أصر المرتد يكون بعدها الحكم عليه.
هناك موقف للفقيه وهبة الزحيلي أرى أنه معتبر في هذا الباب، وقد قال:"ولا مانع لديّ من الأخذ بقول الحنفية: وهو أن قتل المرتد من قبيل التعزير الذي يجوز للإمام العفو فيه، لا من قبيل الحدّ الذي لا يجوز إسقاطه ولا العفو عنه، أما جمهور الفقهاء فيرون أن عقوبة الردة من الحدود التي تجب إقامتها، ولا يجوز العفو عنها ولا تأخيرها."
ولكن تجب محاكمة المرتد، وأن يتم ذلك من طريق الدولة ومحاكمها، لا من طريق الأفراد أو الجمعيات ونحوها، وان يستتاب المرتد والمرتدة ثلاث مرات في رأي جمهور الفقهاء:"44"
وهناك تعليل مهم أتى الفقيه وهبة الزحيلي، وكيف أن حكم الردة يخص المسلمين، ولا يطال الأمر غير المسلمين، لا أرى مزيدًا عليه، يقول:"عقوبة المرتد مقصورة على المسلمين، ولا تتناول غير المسلمين، فتبقى لهم الحرية الدينية كاملة لا تمسّ، وأما المسلمون فقد التزموا بنظام الأمة أو المجتمع الإسلامي، فإذا ارتد الواحد منهم معناه انه اضمر العداوة للنظام الإسلامي وحاول التشكيك بالإسلام نفسه، أو الاستهزاء بنظامه أو التلاعب بقضاياه الأساسية، ومصادمة نظام الحقّ والعدل والفضيلة فيه، والإساءة لمفهوم الحرية، وإعلان الفساد في الأرض، فيكون عقابه في حال المجاهرة والتحدّي والمحاربة حسمًا لظاهرة الفساد، واستئصالًا لمادة الفتنة والشرّ."45
بعد معالجة موضوع الردّة يعود البحث إلى معالجة أمر الحرية الدينية، وأن أول درجات السلم في الارتقاء أن يكسر عن نفسه حلقة التقليد الأعمى للآباء، بل الحقّ أن تتكون القناعات، وأن يتخذ الموقف بالاستناد إليها، فكل إنسان مفطور على المنطلق السليم للعقيدة الصحيحة لكن تقليد الأبوين والمربين هو الذي يجعل عقيدته مناسبة للفطرة السليمة أو مخالفة لها.
وقد ذمّ النص القرآني الأشخاص الذين يعاندون محتجين بما ورثوه من السلف، وبالتالي ألف باء التحرر تحتاج كسر هذا التقليد غير المبرر. قال الله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون} . 46