جاء الإمام الغزالي بصورة جميلة لهذا الموقف، وكيف انحلال رابطة التقليد ضرورية تمهيدًا للوصول إلى الحقيقة، وكان ذلك في قواعد المنهج المعرفي الذي ضمّنه كتابه المعنون:"المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزّة والجلال."، حيث قال الإمام الغزالي بشأن التقليد ومخاطره:"وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وًضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلّت عنّي رابطة التقليد، وانكسرت عليّ العقائد الموروثة، على قرب عهد سنّ الصّبا، إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصّر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهوّد، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام. وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.) 47 فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات."48
العناد في تقليد الآباء دفع بعض المشركين أو الكفار كي يبقوا على عقائدهم الفاسدة فمنعوا بذلك عن أنفسهم نور الهداية، والأمر يلفت الدعاة إلى لطيفة مهمة هي: إن واجب حملة الرسالة والدعوة أن يجادلوا بالتي هي أحسن، وأن يناظروا بأدب بغرض دحض الباطل وإظهار الحق، وأن يبذلوا جهودًا لتنقية ما ترسب وترسخ في النفوس والعقول تمهيدًا لرد الإنسان إلى العقيدة الصحيحة المناسبة للفطرة السليمة التي فطر الله تعالى الناس عليها.
نخلص إلى القول تأسيسًا على ما تقدم:"لم يجبر الله الناس على التمسك بموروثاتهم الفكرية دون قيد أو شرط، ولم يجعلها أمرًا تكوينيًا كتركيب أجسامهم بل منحهم القدرة على التحرر منها، وأمرهم بالتفتيش على الأحسن، وشهد لمتبعيه بالعقل والهداية فقال: {فبشر عباد، الذين يستمعون القول فينبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب. 49} "
لقد أمر الله الإنسان بالإيمان السليم، فقال: {اتبعوا ما أنزل الله} . 50، ولكن المقلدين السائرين وراء آبائهم وقومهم وعشيرتهم، حرموا أنفسهم شعاع الحكمة، وأفقدوها أسمى صفات الإنسان؛ الحرية والاختيار والفكر، ورضوا الحياة أطفالًا لا كبارًا، وأحداثًا ملتحين، وخرافًا تسير وراء أمهاتها أو راعيها المأجور شطر هاوية المسلخ، وأجهزوا على الشخص المكلف الواعي، الكامل في نفوسهم منذ فطرتها، فقالوا بلسان جهلهم الرطب: {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} . 51 ولكن الله لم يقبل معذرتهم، ولذا ختم الآية بقوله: {أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون} 53.
إن كسر رابطة التقليد تحتاج للمجادلة بالتي هي أحسن مع نشر الوعي، ولا يصح ان يكون ذلك مع الإكراه، كما انه لا يصح من داعية أو من مؤمن أن يسخر من معبودات المشركين والوثنيين، أو ان يشتم هذه المعبودات لأن ذلك يزيدهم عنادًا، ويدفعهم إلى القول السوء بشأن عقيدة المؤمن - خاصة عندما يصل بعضهم إلى حد التطاول بحق الذات الإلهية والعياذ بالله -، وقد نهى النص القرآني عن ذلك في قوله تعالى:"ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم."54
المسلم يدعو ويبلّغ، ويترك للناس كل النّاس حريتهم والله تعالى هو الذي يفصل بين الناس يوم القيامة، قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد} . 55 إذا كان المتحدثون هذه الأيام عن الحريات والاضطهاد الديني مطالبين بالتنوع والإقرار به، فلا أظن أن نصًا في الدنيا يعطي حق التنوع العقدي كهذا النص القرآني الخالد، وبعدها يكون كل فرد مسؤول أمام الله تعالى عن اختياره الحرّ.