والدعوة لغير المسلمين تلتزم آدابًا وضوابط وضعها لها النص القرآني عنوانا {بالتي هي أحسن} ، وفيها أسلوب الانطلاق من المساواة في الموقع تمهيدًا للسعي من اجل إبراز الحقيقة. قال الله تعالى بشأن هذا النوع من الخطاب الدعوي {: وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} . 56
أما ضمان حرية المعتقد فقد كان النص القرآني فيه واضحًا وحاسمًا حيث أن الجهاد، وسنّة التدافع لدفع الظلم والإكراه تكون من اجل بني البشر، وإن كان الجهاد فريضة إسلامية. فالآية الكريمة جاء فيها قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيعٌ وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إنّ الله لقويٌّ عزيز} . 57
إذا أضفنا إلى كل تلك العهود والمواثيق التي أعطيت لأهل الكتاب أو أهل شبهة الكتاب (المجوس نموذجًا) ، والتي حوت نصوصًا تحفظ حرية المعتقد وحرية العبادة وأداء الشعائر وسائر الحقوق يعرف كل صاحب أو متهم مبطل كيف أن الإسلام ضمن في ظلاله الحريات الدينية بأبهى صورها والشواهد والمحطات كثيرة.
من المحطات والوثائق العهد الذي أُعطي لنصارى نجران، ومما جاء فيه:"لنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملّتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم وعيرهم وبعثهم. وأمثلتهم لا يُغيّر ما كانوا عليه ولا يغيّر حقّ من حقوقهم، وأمثلتهم لا يُفتن أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته ..."58
وهناك وثائق كثيرة أتت تؤكد الحرية الدينية التي حفظها المسلمون لهم ولغير المسلمين، من ذلك واقعة الحوار الذي جرى بين الخليفة العباسي المهدي وبين البطريرك طيموتاوس الأول، والذي دافع عقيدته في المسيح عليه السلام أمام الخليفة، ولما وصل الأمر إلى الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لم يقرّ البطريرك بذلك وإلا يصبح عندها مسلمًا لكنه قال بان الرسول صلى الله عليه وسلم سار في طريق الأنبياء، ولم يعنفه أو يردعه الخليفة عن قوله هذا. ومما جاء في أجوبة البطريرك طيموتاوس الأول الجاثليق:"وملكنا الحليم المملوء حكمة قال لي: ماذا تقول عن محمد؟ فجاوبته قائلًا:"
إن محمدًا يستحق المدح من جميع الناطقين، وذلك لأجل سلوكه في طريق الأنبياء ومحبّي الله. لأن سائر الأنبياء قد علّموا عن وحدانية الله، ومحمد علّم عن ذلك. فإذًا، هو أيضًا سلك طريق الأنبياء.
ثمّ كما أن جميع الأنبياء أبعدوا الناس عن الشّر والسيئات، وجذبوهم إلى الصلاح والفضيلة، هكذا محمد أبعد بني أمته عن الشّر، وجذبهم إلى الصلاح والفضائل. فإذًا، هو أيضًا قد سلك في طريق الأنبياء."59"
ويكمل في هذا النمط من الإجابات، وهو في بلاط الخليفة وفي حضرته، ولو لم يكن طيموتاوس مطمئنًا إلى حقه في حرية القول الديني لامتنع عن التصريح عن قناعاته، ولآثر السلامة.
هذا قليل من كثير ضمانات الإسلام للحرية الدينية، وهنا نسأل: أبعد ذلك يحق لأحد أن يقول أن الإسلام لا يقرّ بالتنوع ولا بحق الآخر في حرية العقيدة؟!
الحريات العامة في الإسلام
لقد تمّ إفراد حرية المعتقد والحريات الدينية تحت عنوان مستقل ذلك لأن معظم التهم الباطلة الموجهة من بعض الغربيين قديمًا وحديثًا تتجه إلى هذه النقطة، بعدها يكون مفيدًا عرض بعض النصوص في أمر الحريات العامة التي تتناول مختلف وجوه حياة الإنسان مع الإشارة بأن الحريات العامة المتعلقة بالإنسان تستند إلى مقومات أساسية هي: