ولا فُرقة، علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة، علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء.
فإذا اختلفوا، وتقاطعوا كان ذلك لحديث أحدثوه من اتّباع الهوى، هذا ما قالوه، وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحابّ والتراحم والتعاطف؛ فكل رأي أدّى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين."112"
إذًا التنوع المبني على فهم لا تكون منه بغضاء ولا عداوات لأنه يكون في الأمور التي يكون فيها الاختلاف مشروعًا، لكن اتباع الأهواء والجنوح إلى التعصبات الرديئة هو المشكلة.
والمعلوم في هذا"أن مشيئة الله جعلت الناس أممًا لجهة العقيدة والشريعة، والفكر والفهم واللغة، وسائر أشكال الإنتماء، ولكل دوائر الإنتماء، والمعيار هو المعصية أو الطاعة، وسلامة العقيدة أو فسادها، والمرجع في النتيجة إلى الله تعالى، وكل سينال ما يستحق، والله تعالى رحيم بعباده، ولا يظلم أحدًا."
وإذا كانت مسيرة البشرية جمعاء هي مسيرة التنوع في الانتماء، والكل متفاوتون بالقدرات والأفهام، فإن ما ينطبق على عموم بني آدم ينطبق على المسلمين، وبالتالي لا مشكلة أن تكون مذاهب شتى، ولكن المشكلة أن يتخاصم الناس ويتدابروا بحجة تنوع الفقه ومذاهبه."113"
إن كل مسلم له الحرية وحق الاختيار في أن يجتهد إذا امتلك شروط الاجتهاد، وأن يقلد ويتبع إذا كان من عامة أهل المجتمع أي مذهب أراد، ولا ضرر في ذلك، لكن كل الضرر يكون من التعصب لفقيه أو مذهب ضد الآخرين مما يولد انقساما، وتكون منه فتن تضعف الأمة أمام المستعمرين والأعداء، وهناك عرض طيب لعالم معاصر هو الشيخ محمد جواد مغنية قال فيه:
"إن العالم الذي يتعصب لمذهب، أي مذهب، هو أسوأ حالًا من الجاهل، ذلك لأنه لم يتعصب، والحال هذه، للدين والإسلام، وإنما تعصب للفرد، لصاحب المذهب بالذات ما دام العقل لا يحتم متابعته بالخصوص، كما أن مخالفة المذهب ليست مخالفة لواقع الإسلام وحقيقته، بل لصاحب المذهب، وبالأصح للصورة الذهنية التي تصورها عن الإسلام."
ومهما يكن؛ فكلنا يعلم أنه لم يكن في الصدر الأول مذاهب وفرق، حين كان الإسلام صفوًا من كل شائبة، وكان المسلمون في طليعة الأمم، ويعلم أيضًا علم اليقين أن هذه الفرق والمذاهب باعدت بين المسلمين، وأقامت بينهم حواجز وفواصل حالت دون قوتهم وسيرهم في سبيل واحدة لغاية واحدة، وإن المستعمرين وأعداء الإسلام وجدوا في هذه التفرقة خير الفرص للاستغلال وإثارة الفتن."114"
المذاهب المتنوعة رحمة إذا كانت ثروة فقهية توسّع مساحة حرية الاختيار أمام المسلم، وإذا استُغلت لتوليد الطائفية والتعصب مما يولد الانقسامات والخصام فإنها تصبح في غير السبيل الذي كانت من أجله، والواقع الإسلامي يدفع ثمنًا كبيرًا كما الحال في ساحة العراق بعد الإحتلال الأمريكي، وكما حال محاولات لزرع الفتن في ساحة لبنان وفي غير هذين البلدين والأمر يحتاج لحركة من المرجعيات والمجامع الفقهية، ومن القيادات جميعًا، أن يتحركوا تصويبًا وترشيدًا كي يتواصل التنوع الفقهي وفي المذاهب على أنه رحمة ويسر وأن يمنعوا كل تعصب يتولد عن الأهواء والاستغلال من قبل نهّازي الفرص أكانوا أعداء أم غلاة من داخل.
توصية أو مشروع قرار