الصفحة 22 من 27

هذا التنوع في التكوين والخصائص يقترن معه تنوع وتعددية في الدور والقدرات والاختصاص، وبفعل ذلك يكون التكامل. والتنوع موجود في الجانب العقدي، وأمر الفصل في ذلك لله تعالى. وقد جاء النص القرآني بشأن التنوع العقدي في قوله تعالى: {إن الذين أمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد} . 109

إن هذا التنوع العام في البشر يتأسس عليه تنوع بين المسلمين في المذاهب نابع من التنوع في الفقه لأن أفهام الناس متفاوتة وأفكارهم مختلفة، والأصل أن يكون الناس مختلفين لقوله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين} . 110

إذا كانت الشريعة في الإسلام واحدة ونصوصها ملزمة، فإن الفقه والاجتهاد متنوعان، وكلّ له حق الاختيار، وله الحرية، بشأن المذهب الذي ينوي اتباعه ولا مشكلة في ذلك. والقاعدة في التنوع تستفاد من استعراض ما ورد في الأثر والسّير والتاريخ عن الصحابة رضوان الله عليهم حيث نلاحظ أن كل واحد منهم تميّز بجوانب في الشخصية تختلف عن الجوانب التي تميّز فيها غيره من الصحابة.

وتأتي واقعة اختيار الخليفة الراشدي الثالث مبيّنة لهذه الحقيقة. فالمعلوم أن الفاروق عمر رضي الله عنه عندما كان على فراش الموت اختار ستة من الصحابة ليتشاوروا ويقدموا أحدهم يطلبون له البيعة من الأمة، والسّتّة هم: علي بن أب طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوم وسعد بن أبي وقاص. وعندما التقوا كان ما يلي:"خرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عمّمه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم متقلداّ سيفه حتى ركب المنبر فوقف وقوفًا طويلًا ثم دعا بما لم يسمعه الناس ثمّ تكلم فقال: أيها الناس إنّي قد سألتكم سرًّا وجهرًا عن إمامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما عليّ وإما عثمان. فقم إليّ يا عليّ، فقام إليه عليّ فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بن عوف بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله، وسنّة نبيه، وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي."111

إن جواب الإمام علي رضي الله عنه:"لكن على جهدي من ذلك وطاقتي"إنما هو إقرار بالتنوع فلكل من الناس جهده وطاقته، فالالتزام بكتاب الله وسنة نبيه مطلوب من الجميع لكن فعل أبي بكر وعمر اجتهاد وجهد وفقه إمكانات وطاقة ومفاهيم، وهذه كلها تختلف من إنسان لآخر.

يضاف إلى ما سبق ذكره وجود عوامل تسهم في تنوع الفقه والاجتهاد منها ما هو ديني، ومنها ما هو سياسي، ومنها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو ثقافي، ومنها ما هو اجتماعي ... الخ. لكن هذا التعدد في الفهم والفقه الذي يولد التنوع يكون في الفروع والتفاصيل ولا يكون في الأركان والأسس، فلا تنوع في عقيدة التوحيد والشهادتين، والقرآن والقبلة، والنبوة، واليوم الآخر، ولا في الصلاة والصوم بل هي واحدة.

لذلك تكون القاعدة في الإسلام أن الأساس فيه:"عقيدة التوحيد، وتوحيد الكلمة."والوحدة تكون مع الاختلاف ولا تكون مع الخلاف. لأن الاختلاف تنوع وتعدد تحت سقف الوحدة، وهذا الاختلاف رحمة وتوسعة ويوفر مناخًا من الحرية في الاختيار، ولو لم يكن التعدد والتنوع في المذاهب والفقه والاجتهاد لما كانت حرية. أما الخلاف فينشأ من النزاع والخصومة ويكون منه لدد وعداء، ولذلك فهو مذموم.

وإنه لمفيد عرض موقف أبي اسحق الشاطبي في هذا الأمر، وقد قال:"كل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت