يعصرون. 100 إن هذه الآيات تبيّن أهمية التخطيط، واقتصاد الثروة من أزمنة الرخاء إلى أوقات الشّدة توفيرًا لحاجات مجتمع الأمة.
2.امتلاك القدرات للتصنيع والإنتاج، هذا مع الإنفاق بتأنٍ ودراية والابتعاد عن التبذير وهدر الثروة لأن منهج التبذير يقود صاحبه إلى أن يصبح عبد الدرهم والدينار، وليكون ظالمًا لمجتمعه ومواطنه لأن تبذيره يكون على حسابهم. والأساس القرآني لهذا الموضوع في الصناعة وامتلاك القوة جاء في قوله تعالى: {ولقد آتينا داود منّا فضلًا يا جبال أوبّي معه والطير وألنّا له الحديد * إن اعمل سابغات وقدّر في السّرد واعملوا صالحًا إنّي بما تعملون خبير. 101}
وقد علق القرطبي على هاتين الآيتين ما يفيد في هذا الباب لواقعنا المعاصر، فقال:"في هذه الآية دليل على تعلّم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرّف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخليّ عن الامتنان."102
جاء ما يؤكد الأمر نفسه في الحديث النبوي الشريف:"إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده."103
إن حرية الإنسان تتحقق في ظل دولة ونظام يحررانه من الحاجة، ويوفران له فرص العمل والإنتاج، ويؤمنان مقومات العيش الكريم، وهي حق المأكل والمسكن والطبابة والتعليم. قال أحد المعاصرين في هذا الباب:"إن الحاجة لحماية الفرد، ليس فقط من الفقر الضنك، بل لأجل تمكينه من التّمتع بمستوى معيشي معيّن، سواء كان عاملًا أم عاطلًا عن العمل ... ووضع تغطية شاملة لأخطار البطالة والأضرار التي تصيب المرء أثناء عمله، وصرف معاش تقاعدي له بعد إحالته إلى التقاعد. يضاف إلى ذلك إدخال نظام شامل للتأمين الصحي يقدّم الخدمات الطّبية المجانية إلى جميع السكان."104
هذه التأمينات كلها جاءت منظومة الإسلام القيمية في التكافل الاجتماعي تؤمنها من خلال أموال الزكاة والصدقات والكفارات مضافًا إليها الأوقاف ولو أن أصحاب المال والواجب قاموا بما فرضه الله تعالى عليهم فيما بين أيديهم، وأسهموا في توظيف بعض رساميلهم في الإنماء الزراعي والصناعي لكان حصل الأمن الاقتصادي.
حرية الإنسان الفرد، وحرية الوطن والأمة تحتاج هذان العاملان: الأمن والطعام. فمن يرفع شعار الحرية فليعمل لتحقيق هذين العاملين الرئيسين.
الإطار المذهبي في إطار الحرية الدينية
إن التنوع أصل أكدته الآيات الكونية في المخلوقات المنظورة والمحسوسة، كما أكدته الآيات القرآنية المسطورة في الكتاب الموحى، وكل من يحاول أن يجعل المجتمع أو أي مجتمع لونًا واحدًا كأنما يعاند آيات الله تعالى المنظورة والمسطورة.
إن التنوع في أصل الفطرة البشرية فالناس متنوعون شكلًا، ولسانًا، وهيئة، وذكاء، وفهمًا، وفي الانفعالات والأحاسيس، ويزيد في هذا التنوع المناخات التربوية التي ينشأ فيها كل إنسان.
وقد أكدت النصوص القرآنية هذا التنوع، ومن النصوص الآيات التالية: {يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} 105، {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين} 106، {وما من دابة في الأرضِ ولا طائر يطير إلا أمم أمثالكم} 107، {وقطعناهم في الأرض أممًا منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} . 108