وإذا كانت أحكام القانون الدولي غير حاسمة في منع جميع أنواع تلوث الهواء حتى الآن، إلا أن الشريعة الإسلامية تمنع هذا التلوث تماما لسببين:
الأول: أنه إفساد في الأرض، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عنه، حيث يقول: (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) [الأعراف: 56] .
والثاني: الضرر المحقق عن هذا التلوث كما أوضحنا.
وقد استخدم الفقه الإسلامي هذه الوسائل لمنع تلوث الهواء، وتوجد كتابات في الفقه المالكي عن منع التلوث الذي ينتج من دخان الأفران إذا كان قريبا من الناس وتأذوا به، كما كان المحتسب يراقب مصادر الأدخنة التي تؤذي الناس ويقوم بمنعها [1] .
تلوث التربة
تعد التربة أحد العناصر الأساسية للبيئة، وقد قام الإنسان بتلويثها بشكل كبير. ومن صور الإساءة للبيئة التي يقوم بها الإنسان الآن، قطع أشجار الغابات وحرق الحشائش ومن هنا فإن الكساء الخضري الطبيعي ينقرض ويتلاشى بالتدريج وتحل محله نباتات مزروعة. ذلك إلى جانب وضع المبيدات الحشرية والكيماوية في الأرض، ونزول الأمطار الحمضية، وكل هذا يسيء للتربة، وينقل الأمراض للإنسان. وكل ما يسيء إلى التربة وإلى الإنسان يعد ضررا ممنوعا وفقا لقاعدة"لا ضرر ولا ضرار".
حق الإنسان في بيئة صحية مناسبة وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية:
وكما انتهينا إلى وجود حق للإنسان في البيئة الصحية في أحكام القانونين الدولي والداخلي، نجد هذا الحق واضحا تماما في الشريعة الإسلامية، للأسباب الآتية:
أولا: أن الشريعة الإسلامية لا تعارض الإصلاح الذي يمكن أن تقود إليه أية قوانين لأنها تقوم على المصلحة، وحيث وجدت تلك المصلحة، فثم شرع الله.
"والمسلمون لا يقبلون أن ينظر إليهم على أنهم دوما في الصف المعارض للإعلانات والاتفاقات الدولية الهادفة إلى تحقيق العدل والسلام في العالم، بل يرون أن ينظر إليهم على أنهم يهدفون إلى إثراء العطاء الإنساني بالمزيد من البحث والدراسة، والاستماع إلى مختلف وجهات النظر، وتتويج العطاء الإنساني بين بني البشر، ونشر صحة البيئة والإنسان، والابتعاد عن الظلم والفقر واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وتلك هي احتياجات الفرد في دنياه، يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم:"من بات آمنا في سربه، معافا في بدنه عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا فأخذها برها" [2] ."
ثانيا: أن لدى الفقه الإسلامي قدرة فائقة على الاجتهاد باستخدام مصادر وأدلة علم الأصول، وهي تمكن الفقهاء من إيجاد الحكم الشرعي لكل الحالات المستجدة باللجوء إلى القرآن والسنة والإجماع، ثم استخدام القياس وتحكيم المصلحة والاستصحاب وسد الذرائع. وكذا استخدام قواعد الفقه الكلية كقاعدة"لا ضرر ولا ضرار"وهي تستند إلى حديث لرسولنا صلى الله عليه وسلم، وهي قاعدة تمنع كل صور الإضرار بالبيئة كما رأينا.
ثالثا: أن هذا الحق يستند إلى مصلحة مؤكدة، وهي ضرورة أن يعيش الإنسان في بيئة صحية، وهذه الضرورة تساندها نصوص القرآن والسنة كما أسلفنا،
(1) راجع مؤلف د. بركات محمد مراد عن الإسلام والبيئة - طبع دار القاهرة عام 2003م ص 64 وما بعدها، وراجع محمد عبد القادر الفقي، حماية البيئة من التلوث ص 21 القاهرة 1995م.
(2) نقلا عن مقال د. عبد الله بن صالح العبيد في افتتاح ندوة حقوق الإنسان في الإسلام التي عقدت في روما عام 1420هـ - 2000م، راجع كتاب الندوة ص 28 ,