الصفحة 11 من 17

المبحث الثاني

حق الإنسان في بيئة صحية مناسبة

في الشريعة الإسلامية

موقف الإسلام من البيئة:

حرصت الشريعة الإسلامية على أن يحيا الإنسان في بيئة صحية مناسبة، ووضعت العديد من القواعد والمبادئ التي تكفل سلامة البيئة وحمايتها من العبث.

(1) فمن ناحية خلق الله - سبحانه وتعالى - الإنسان في أحسن تقويم، وزوده بقدرات فائقة على الحياة السليمة، وكرمه على سائر المخلوقات.

ولا شك أن ذلك يقتضي من الإنسان الرشيد أن يحافظ على ما أعطاه الله حتى يعيش سليما معافى، قادرا على العمل وعلى الإنتاج، ومتمتعا بما أعطاه الله له، ولن يتحقق له ذلك إلا بالحفاظ على البيئة التي يعيش فيها، وبوقاية نفسه من أية أضرار تحدث فيها، وكذا بالمسارعة بالعلاج كلما اقتضى الأمر ذلك. يقول الحق - سبحانه وتعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4] ، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: 70] .

(2) ومن ناحية أخرى أشار القرآن الكريم إلى التوازن البيئي، وإلى خلق الكون بشكل هندسي رائع وسليم، قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ) [الملك: 3، 4] .

ولأن البيئة هي المهد والفراش والموطن والسكن والحياة للإنسان، فقد سخرها الله له وزودها بكل مقومات الحياة الآمنة الصحية السليمة، ونرى أكثر من أية تشير إلى هذا التوازن الدقيق وإلى ما زود الله به الأرض من معايش لحياة الإنسان، وإلى ما أرشده لحمايتها والإبقاء على توازنها. وسنورد بعضا من هذه الآيات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 21، 22] .

وقوله سبحانه: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) [الحجر: 19، 20] .

وقوله سبحانه: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى) [طه: 53، 54] .

وكل هذه الآيات تؤكد ما خلقت عليه الأرض من توازن دقيق يجعلها صالحة تماما لحياة الإنسان، كما يحميها هي نفسها، ولصالح الإنسان والكائنات التي تعيش فيها، من فقدان اتزانها، فقد أرسى الله فيها الجبال أوتادا ثوابت تحفظ لها توازنها وتحمي مناخها الطبيعي ليستمر صالحا للحياة بما أنشأ الله سبحانه وتعالى فيها من نبات وغابات وحدائق تضخ الأوكسجين اللازم للتنفس، وتمتص ثاني أكسيد الكربون المدمر للحياة.

(3) وقد نبهنا القرآن الكريم كذلك إلى أن الفساد سيعم الأرض بما كسبت أيدي الناس. يقول الحق تبارك وتعالى في سورة الروم (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: 41] ولعل ذكر هذه الآية في سورة الروم له دلالته في أن الغرب هو الذي سيحدث هذا الفساد؛ لذا طلب القرآن الكريم من البشر أن يمتنعوا عن إحداث الفساد حيث قال سبحانه وتعالى: (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف: 56] .

تنظيم الفقه الإسلامي لشئون البيئة

من المقرر أن الأحكام الشرعية ملزمة، باعتبارها خطاب الله تعالى المتعلق بأحكام المكلفين، على الأقل في الإيجاب والنهي. ونجد أن الشريعة الإسلامية تهتم اهتماما بالغا بالعبادات وتجعل أحكامها ملزمة على وجه الإجمال.

وأول هذه العبادات هي الصلاة، وتعتبر من أهم العبادات التي أفردت لها كتابات واسعة في كل المذاهب الإسلامية، فكافة المذاهب تجعل أداء الصلوات الخمس في مواقيتها مستكملة الأركان والشروط هي الدعامة الأولى التي بني عليها الإسلام:"وكم في هذه العبادة ووسائلها من منافع للناس ففي التزام العبد بطهارة بدنه وثوبه ومكانه، وفي تحرزه عن الأنجاس والأقذار تعويد له على النظافة، وهو وسيلة إلى سلامة حواسه [1] "

فالمسلم بمقتضى هذه العبادة يغتسل خمس مرات في اليوم، يغتسل من الذنوب ومن الأقذار، فهل يتبقى بعد ذلك من درنه شيء، كما يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم.

كتاب الطهارة:

وإذا كانت عناصر البيئة هي المياه والهواء والأرض، فإن معالجة الإسلام للمياه تدلنا على الأهمية البالغة للبيئة في الفكر والفقه الإسلامي على السواء. فالناس شركاء فيها وتلك الشراكة تقتضي أن يكون استخدامها للجميع دون أن يكون من حق أحد أن يحتكرها أو يمس منفعتها المقررة للكافة. وكذلك تمنع هذه الشراكة أية إساءة للمياه من قبل الفرد أو الجماعة.

وبالإضافة إلى ذلك وحرصا على صحة الإنسان وتحقيقا لنظافته الكاملة، نجد الفقهاء يتحدثون كثيرا عن المياه، من خلال كتاب الطهارة الذي نجده في مقدمة كافة كتب الفقه الإسلامي.

والطهارة عند الفقهاء قسمان: طهارة من الحدث وهي تختص بالبدن، وطهارة من الخبث وهي تتعلق بالبدن والثوب والمكان.

والطهارة من الحدث تكون بالغسل من"الحدث الأكبر"، وبالوضوء من"الحدث الأصغر". والطهارة من الخبث قسمان: أصلية وهي القائمة بالأعيان الطاهرة بأصل خلقتها، وعارضة وهي التي تحصل باستعمال المطهرات المزيلات لحكم الخبث من ماء وغيره.

وهكذا نجد معالجة شاملة للبيئة الصحية للإنسان توجب عليه أن يكون نظيفا في بدنه وفي ثوبه وفي المكان الذي يعيش فيه، وتلك القواعد الفقيهة ملزمة وواضحة كما قلت في كل كتب الفقه الإسلامي.

وأداة التطهر هي المياه، وهناك أحكام تفصيلية تتصل بصيانتها والحفاظ عليها في كل كتب الفقه، بل نجد تفصيلات تتصل بما يغير المياه ويجعلها غير صالحة لنظافة الإنسان وتطهره وذلك لكي لا تكون المياه سببا لإيذاء الإنسان في صحته وبدنه.

(1) راجع مقدمة الطبعة الأولى لكتاب الفقه على المذاهب الأربعة كتبها الشيخ عبد الوهاب خلاف - القاهرة 1928م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت