الصفحة 5 من 28

فإن الحرية الدينية تبتدئ بحرية المعتقد وتمتدّ إلى سائر لوازمه السلوكية، وهي من أهمّ ما ينضوي تحت الحرية من العناصر باعتبار أنّ المعتقد هو أسمى ما يتشوّف إليه الإنسان من القيم، حتى إنه ليبلغ به الأمر في ذلك إلى أن يضحي بحياته وهي أغلى ما يملك في سبيل معتقده.

والمقصود بالاعتقاد هو الإيمان بجملة من المفاهيم والأفكار على أنّها حقّ أو هي الحقّ، وبخاصّة منها تلك التي تفسّر الوجود والكون والحياة، ويتشعّب منها كلّ ما يتعلّق بشؤون الإنسان الفردية والجماعية. وقد ينطبق هذا المعنى بدلالة أعمق على ما يتعلّق من هذه المفاهيم والأفكار بما هو مصبوغ بصبغة دينية غيبية، إذ الإيمان بها يكون في الغالب أحكم في النفوس وأقوى تأثيرا عليها، وقد يلحق به ما هو مصبوغ بصبغة فلسفية، إذ هو يكون أيضا على قدر من اليقينية والرسوخ.

وحرّية الاعتقاد تعني حرّية الاختيار في أن يتبنّى الإنسان من المفاهيم والأفكار ما ينتهي إليه بالتفكير أو ما يصل إليه بأيّ وسيلة أخرى من وسائل البلاغ، فتصبح معتقدات له، يؤمن بها على أنّها هي الحقّ، ويكيّف حياتها النظرية والسلوكية وفقها، دون أن يتعرّض بسبب ذلك للاضطهاد أو التمييز أو التحقير، ودون أن يُكره بأيّ طريقة من طرق الإكراه على ترك معتقداته، أو تبنّي معتقدات أخرى مخالفة لها.

ومعلوم أنّ الإيمان بالأفكار ومنها المعتقدات هو من حيث ذاته لا يمكن أن يرد عليه قيد، فالحرية فيه حاصلة على وجه البداهة، إلا أنّ الطريق التي يحصل منها الإيمان بالأفكار هي التي يمكن أن يطالها القهر بالحجر على بعض المسالك والتوجيه إلى أخرى بطرق مختلفة من الحجر والتوجيه بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، مثل ما كان يفعل فرعون بأتباعه حينما كان يقول لهم {مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى} (غافر/29) ، فتكون حرية المعتقد إذن مبتدئة من أن يُخلّى بين عقل الإنسان وبين المعطيات الموضوعية للموضوع المفكَّر فيه في غير إلجاء إلى بعضها دون بعض بأيّ وجه من وجوه الإلجاء.

وبما أنّ الاعتقاد لا تتمّ حقيقته بالنسبة للمعتقِد إلاّ إذا توافق فيه باطن التصديق القلبي بحقّية المعتقَد مع ظاهر التكييف للحياة الفكرية والسلوكية وفقَه، فإنّ حرّية الاعتقاد لا يكون لها معنى إلاّ إذا اجتمعت فيها جملة من العناصر التي تضمن الجمع بين ذلك الباطن من المعتقد وبين الظاهر منه، وإلاّ فإنّ هذه الحرّية إذا ما اقتصرت مثلا على مجرّد التصديق القلبي بالمعتقدات فإنّها قد لا يكون لها معنى، إذ مجرّد التصديق أمر خفيّ لا يرد عليه بحال أيّ ضرب من ضروب المنع أو الاضطهاد، وإذن فإنّ الحديث عن الحرّية في شأنه يصبح أمرا غير ذي موضوع، وذلك باعتبار أنّها من الحاصل الذي لا يمكن منعه.

وبالإضافة إلى العنصر الأساسي في حرّية الاعتقاد المتمثّل في التصديق بالمعتقَد على أنّه حقّ أو هو الحقّ، فإنّ العنصر الثاني من عناصرها هو الإعلان عن ذلك المعتقد، والتعبير عنه للآخرين، إخراجا له من دائرة الذات إلى دائرة المجتمع على سبيل إشاعته فيه: بيانا لحقيقته، وشرحا لمفهومه، واستدلالا عليه، ومنافحة عنه، فذلك هو المتمم لمعنى حرية المعتقد بمفهوم حرية التصديق القلبي، إذ هذا التصديق كما أشرنا إليه آنفا لا يرد عليه معنى الحرية من حيث ذاته، وإنما يرد عليه من حيث إظهاره بالتعابير والأقوال.

ومن عناصرها أيضا حرّية الممارسة السلوكية للمقتضيات الاعتقادية من قيام بالشعائر التعبّدية، وإقامة للاحتفال بالمناسبات والأعياد الدينية، وتكييف للحياة الفردية والأسرية والاجتماعية بما تتطلّبه المعتقدات النظرية، وما إلى ذلك من مظاهر التطبيق السلوكي، فهذا المعنى هو من المتممات الأساسية لمعنى حرية المعتقد تصديقا وتعبيرا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت