وقد انتهى تحديد الحرية في العصر الحديث إلى تصنيفها إلى نوعين اثنين: الحريات الفردية أو الشخصية، وهي التي تتعلّق بالفرد في ذات نفسه أو التي يكون البعد الجماعي فيها ضعيفا كالحرية في اختيار الأفكار إذا بقيت في مستوى القناعة الذاتية، واختيار الملبس والمأكل والمسكن ومحلّ الإقامة وما هو في حكمها. والحريات العامّة، وهي التي تتعلّق بالحياة الجماعية العامّة، مثل حرية التعبير ونشر الأفكار، وحرية التنظّم الحزبي والتوالي الجماعي، وحرية الاختيار لأنظمة الحكم وللقيّمين عليه، ولعلّ الحرية الدينين تجمع بين هذين النوعين من الحرية.
وقد جاءت التعاليم الإسلامية كما سنبيّن لاحقا تؤسّس لهذين النوعين من الحرية في أصل مبادئها التي أقرّها الوحي قرآنا وسنّة، ثم شرحها الفقه الإسلامي في أبوابه الخاصّة بهذا الشأن، كما انتهى الفكر الغربي إلى إقرار هذه الحريات عبر مراحل من التفاعلات الاجتماعية والثقافية تراوحت الحلقات فيها بين الصراع العنيف والوئام السلمي، وتوّجت أخيرا بجملة من المعاهدات والمواثيق والإعلانات التي تشرحها وتضبط أبعادها وتحدّد ضماناتها، والتي من أشهرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وإذا كانت الحريات الشخصية قد حظيت في كلّ من الإسلام والفكر الغربي بقسط من الاهتمام باعتبار أنها هي المنطلق الأساسي لمفهوم الحرية إذ ينطلق هذا المفهوم من رفع القيود عن ذات الفرد، فإنّ الحريات العامّة حظيت هي أيضا في كلّ منهما بذات القدر من الأهمية، بل قد يكون قدرها من الاهتمام أوفى من الاهتمام بالحريات الشخصية؛ وذلك بالنظر إلى آثارها في انتظام المجتمع على الهيئة التي يكون بها أقدر على النهوض بالأداء الحضاري، وبالنظر إلى أنّ انعدامها يؤدّي بالمجتمع إلى أبواب من الفتن إذا ما فشا فيه الاستبداد الذي هو أحد المفاسد الكبرى التي تعوق المجتمعات عن التحضّر، وتدفع بها إلى الفتنة المذهبة للريح.
وكلّما تطوّرت المجتمعات وتعقّد بناؤها وتشابك تركيبها كانت إلى الحريات العامّة أحوج، وإليها أشدّ طلبا؛ وذلك لكثرة ما يعتاص من مشاكلها فلا يُحلّ إلا بالمشورة الواسعة والمشاركة الأوسع بالرأي والتنفيذ، ولكثرة ما تتعارض من مصالح وأهواء وأفكار أفرادها، فلا تنتظم في سياق اجتماعي موحّد إلا بإجراء المفاوضات بينهم على أوسع نطاق ممكن لينتهي بينهم بالتراضي على سنن موحّد، والتوافق على صعيد مشترك تتراجع إليه الأهواء المتضادّة، والأفكار المتناقضة، والمصالح المتنافرة، جرّاء المطارحات الحرّة التي تُتاح للجميع فيلتقي الناس بها على سواء.
وفي هذا العصر تطورت المجتمعات الإنسانية وتعقّدت بما لم يسبق له مثيل في التاريخ الإنساني، فقد أصبح الفرد في المجتمع يحتاج في كلّ شؤونه إلى جميع الآخرين من الأفراد، وأصبح إنجاز أيّ شأن من شؤون الحياة لا يمكن أن يتمّ إلا باشتراك بين العدد الكبير من أفراده؛ ولذلك فإنّ الحريات العامّة أصبحت في العصر الحديث المطلب الأعلى من مطالب الحرية، وربما كان على رأسها الحريات السياسية التي من أجلها قامت الثورات الكبرى كالثورة الفرنسية وغيرها، وما زلنا نشهد إلى اليوم كيف أنّ التاريخ يكاد يتمحّض في حركته بالتدافع من أجل الحريات السياسية بفروعها المختلفة، وهو الأمر الذي لا تخطئه العين في العدد الأكبر من الأقطار على تفاوت بينها في المقدار الذي أُنجز من إرساء هذه الحرّيات وثبات جذورها في الثقافة الاجتماعية وفي الإجراءات العملية التي ينتظم بها المجتمع.
ب ـ الحرية الدينية
المحور الأساسي في كل دين هو الإيمان بجملة من الغيبيات تترتب عليه لوازم سلوكية قد تتسع أو تضيق من دين إلى آخر ولكن لا يخلو منها دين على الإطلاق؛ ولذلك