1 ـ الحرية والحرية الدينية
ربما اختلفت تعاريف الحرية اختلافا كبيرا بحسب الناظر فيها بين مضيق وموسّع في مدلولها، وربما انعكس ذلك الاختلاف أيضا على الحرية الدينية بذات الأسباب، ولكن قدرا معينا من المعنى في كل منهما قد يكون مشتركا بين المختلفين في التعريف، ويبقى ما بعده محل اختلاف لا يعود على الأصل المشترك بالنقض، وهو ما يمكن أن يعتمد في التحليل والتأصيل، مع مراعاة مناطق الاختلاف لخصوصيات المعرفين والمحللين.
أ ـ الحرية
تعني الحرية في أقرب معانيها أن يكون الإنسان متمكّنا من الاختيار بين وجوه ممكنة من القناعات الذهنية والتعبيرات القولية والتصرفات السلوكية، سواء على مستوى الفرد في خاصّة نفسه أو على مستوى انتمائه الجماعي. إلا أنّ هذه الحرية في الاختيار يبقى معناها قائما ما لم تعد على أصلها بالنقض، كأن يكون الاختيار شاملا لما فيه إلحاق الضرر بالآخرين من الناس، وهو الحدّ الذي ينتهي إلى هدم الحياة الجماعية، بل قد يؤول إلى هدم الحياة الإنسانية؛ ولذلك فإنه لا يُتصوّر معنى حقيقي للحرية إلا في نطاق بعض الضوابط التي تضبطها فلا تنقلب إلى فوضى مدمّرة تأتي عليها هي ذاتها بالإبطال؛ ولذلك قال أبو زهرة عن حقيقة الحرية: إنها"تتكون من حقيقتين: إحداهما السيطرة على النفس والخضوع لحكم العقل لا الخضوع لحكم الهوى، والثانية، الإحساس الدقيق بحق الناس عليه وإلا كانت الأنانية، والحرية والأنانية نقيضان لا يجتمعان" [1]
ويشمل معنى الحرية أول ما يشمل حرية التفكير وهي أن يكون العقل في حركته إلى معرفة المجهول ينطلق في تفكير لا تحكمه إلاّ المقتضيات المنطقية التي تفرضها طبيعة العقل في تركيبه الفطري، ولا يتعامل إلاّ مع المعطيات الموضوعيّة للقضيّة المبحوث فيها كما هي في الواقع، سالما في ذلك من أيّ توجيه من خارجه إلى نتيجة مسبقة يُراد له أن يصل إليها، ومن أيّ قيد لا تقتضيه طبيعته المنطقية أو الطبيعة الواقعية لموضوع بحثه، فحينئذ يوصف التفكير الذي هو حركة العقل بأنّه تفكير حرّ.
ومن عناصر الحرية حرية الأقوال، أو ما يعبّر عنه أحيانا بحرية التعبير، وهو في حقيقته تابع لحرية المعتقد إلا أنه يتضمّن معنى زائدا عليه، إذ هو يحمل بعدا اجتماعيا، فالأقوال أو التعابير إنما هي متجهة بالخطاب إلى الآخرين وليست متّجهة إلى ذات القائل، فمن وجوه الحرية المعتبرة أن يصدع الإنسان بالتعبير عما يراه حقا من الرؤى والأفكار والمعتقدات، ليقنع بها الآخرين على أنها هي الحق، أو ليكتّلهم عليها في منتظم جماعي، أو ليوجّه سير الحياة بحسب مقتضياتها، فهذا الوجه من الحرية هو من جهة مكمّل للحرية الفردية في المعتقد إذ الأقوال هي ترجمان المعتقدات، وهو من جهة أخرى معدود من الحريات الجماعية باعتبار توجّه الخطاب للمجتمع.
كما يشمل معنى الحرية أيضا حرية التصرّف السلوكي، وذلك على معنى أن يكون الإنسان مختارا في خاصّة أعماله، التي تشمل أنواع مآكله وملابسه ومساكنه وأعماله التي يرتزق منها ومحالّ إقامته وأماكن تنقّله وسياحته وما هو في حكم ذلك من التصرّفات المتعلّقة بخاصّة النفس أو ذات العلاقة بالآخرين من الناس، فالاختيار في هذه التصرّفات يُعتبر من أهمّ عناوين الحرية، والقيود عليها تُعدّ من مظاهر الاستبداد، وكلّ ذلك في نطاق الحدود والضوابط التي ألمحنا إليها آنفا، والتي تعصم الحرية من أن تؤول إلى أن تنقض نفسها بنفسها إذا تجاوزت تلك الحدود.
(1) أبو زهرة ـ في المجتمع الإسلامي:18