الصفحة 6 من 28

إذ السلوك هو ترجمان التصديق، فإذا ما وقع صدّه فإن المعتقد يبقى حبيس الذهن واللسان فلا يكون له نفاذ في الواقع ولا تكييف للحياة، وذلك انتقاص لحقيقة الدين يؤول به إلى ضرب من الفلسفة العقلية المجردة، ويجرده من لوازمه المتمثلة في العبادة، ولا يكون دين بدون عبادة.

ومن أهمّ عناصر حرّية المعتقد الحرّية في الدعوة إليه، والسعي في نشره بين الناس ليصبح معتقدا لهم، مع ما يقتضيه ذلك من حرّية إعلامية بوسائلها المختلفة في البلاغ والنشر، ومن حرّية في تجمّع الناس وتجميعهم من أجل تبليغ المعتقد إليهم وشرحه لهم، وحرّية تجميع الأنصار للتداول في شأن معتقدهم المشترك، وتدبير أمر سيرورته وانتشاره، وحرّية التنظّم في هيئات ومؤسّسات وجمعيات وأحزاب من أجل التناصر على ما ييسّر السيرورة والانتشار. إنّ هذه العناصر إذا ما اجتمعت اكتملت بها الحرّية الدينية، وأيّما خلل في واحد منها يفضي إلى نقصان فيها حتى ينتهي أمرها إلى الزوال.

2 ـ مرجعية الحرية الدينية بين الإسلام والغرب

إن الحديث عن الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يكون بمعزل عن الحرية الدينيية كما تطرح اليوم في الثقافة الغربية؛ ذلك لأن هذه الحرية الدينية ضمن قيمة الحرية بصفة عامة تأخذ حيزا كبيرا في هذه الثقافة، بل لعلها تُعتبر أعلى القيم التي تأسست عليها الحضارة الغربية، ويقوم الادعاء واسعا بأنّ الحرية الدينية في هذه الحضارة لا تضاهيها في الثقافات والحضارات الأخرى أية حرية دينية، وكثيرا ما يتم ذلك من خلال المقارنة مع وضع هذه الحرية في الإسلام، ليقع الانتهاء من ذلك إلى الحكم بتفوق ما هو موجود في الغرب في هذا الشأن عما جاء الإسلام به، وقد يقع الانتهاء إلى نفي أية حرية دينية فيه.

وإذ لا يتسع المجال للمقارنة التفصيلية في هذا الأمر فإنه يمكن الاكتفاء بالمقارنة بين مرجعية الحرية في الإسلام ومرجعيتها في الغرب ليتبين بذلك نتائج مهمة فيما يتعلق بمدى قوّة الحرية الدينية وثباتها ومصداقيتها في كل منهما، وهو الأمر الذي يترتّب عليه سيرورة تلك الحرية في الواقع والمصير التاريخي الذي تنتهي إليه في كل من الحقلين الحضاريين.

أ ـ مرجعية الحرية الدينية في الإسلام

الإسلام دين جاء يعرض نفسه على أنه هو الدين الخاتم، فهو قائم على وحي ليس بعده من وحي آخر؛ ولذلك فإنّ ما فيه من تعاليم في مختلف مجالات الحياة جاءت معروضة على سبيل الثبات والديمومة، فليس لها من ناقض ينقضها لا من وحي لأنّ الوحي قد انقطع، ولا من عقل لأنّ الوحي أعلى من العقل، وليس للأدنى أن ينقض الأعلى، وأما الاجتهاد العقلي فإنه يتمّ من خلال منظومة الوحي، وبحسب ما تسمح به وتحدّده هذه المنظومة من تفسير لما هو ظنّي، أو استكشاف لما هو غير منصوص عليه وفق المبادئ والقواعد الكلّية العامّة، وليس بحال من الأحوال ناقضا لتقريرات الوحي كما يزعم بعض الزاعمين.

وتبعا لذلك فإنّ ما جاء متعلّقا بالحرية عامّة والحرية الدينية خاصّة من التعاليم يندرج هو أيضا ضمن هذا السياق من الثبات والديمومة، فليس لأحد أن يغيّر فيه شيئا، لا من حيث ذاته في أحكامه المندرجة ضمن درجات الحكم الشرعي المعلومة، ولا من حيث منزلته القيمية المرتبطة بمنزلة الوحي بصفة عامّة، ومنزلة الأصول الكلّية المؤسّسة فيه بصفة خاصّة، ولا من حيث الديمومة الزمنية التي تمتدّ في كلّ الأحوال والظروف على امتداد الوجود الإنساني دون أن يتطرّق إليها الاستثناء أو التعطيل أو الإلغاء، ولا من حيث تعلّقها بالإنسان بمقتضى إنسانيته مطلقا عن عوارض الإنسانية من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت