الصفحة 25 من 28

هـ ـ منع التصرّفات الكيدية

إذا كان الوقوف موقف النقد من المعتقدات المخالفة أمرا تسمح به حرّية المعتقد كما بيّنّاه، فإنّ التصرّفات الكيدية إزاء تلك المعتقدات تُلحق بالتصرّفات الجارحة للمشاعر في وقوف تلك الحرّية دونها؛ ذلك أنّ الكيد هو الاستدراج والمكر، فإذا كان صاحب عقيدة مّا في المجتمع الإسلامي يسلك في سبيل نشر عقيدته أساليب الاستدراج والمكر، أو كان يسلك ذلك إزاء العقيدة المخالفة في سبيل صدّ الناس عنها، فإنّ تصرّفه ذلك لا يكون داخلا ضمن ما تسمح به حرّية المعتقد، إذ هو تصرّف لا ينصر المعتقد المعتَنق أو يهزم المعتقد المخالَف من خلال بيان ما في هذا من قوّة وما في ذاك من ضعف من حيث الذات في كلّ منهما، وإنّما هو يقوم بذلك من خلال وسائل خارجية يُستدرج بها الناس على غرّة ليسري بينهم المعتقَد المدعوّ إليه، أو ليتخلّوا عن معتقدهم المدعوّ إلى تركه، وذلك ضرب من التلبيس الذي تقف دونه حرّية المعتقد.

ومن الصور الظاهرة للتصرّفات الكيدية ما أشرنا إليه سابقا من القصد إلى التحريف في عرض المعتقد من حيث بنيته الذاتية، وإظهاره على غير حقيقته التي يدّعيها لنفسه وتنطق بها مصادره، إمّا بما هو محسّن بغية النشر، أو بما هو مبشّع بغية الحسر، استدراجا في ذلك للسامعين كي يقبلوا على هذا ويدبروا عن ذاك. وفي التأصيل لهذا المعنى جاء مثل قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة/75) ، فالتحريف من قِبل هذا الفريق للمعتقد المخالف لهم إنّما صدر منهم في سياق الكيد المقصود به أن يُصرف عنه الناس المدعوّون إليه. ومن قرائن ذلك السياق الكيدي ما جاء عقب ذلك من قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (البقرة/76) ، فالتحريف من هذا الفريق إنّما هو مندرج ضمن هذا السياق الكيدي «لضرب من الأغراض على ما بيّنه الله تعالى من بعد في قوله تعالى:"واشتروا به ثمنا قليلا"» [1] .

وربّما يكون من الصور الكيدية التي تمتنع لأجلها حرّية المعتقد انتحال معتقد مّا من المعتقدات من أجل التصرّف باسمه تصرّفات مشينة من شأنها أن تصوّره في عيون الناس بصورة قبيحة بما يقترن في الأذهان من التطابق بين تلك التصرّفات وبين المعتقد المنتحَل الذي تصدر باسمه. إنّ هذا الانتحال بما هو تصرّف كيدي تنحسر دونه حرّية المعتقد، إذ هو آيل إلى ضرب من النقد للمعتقدات المخالفة نقدا تشويهيا بوسائل لا علاقة لها ببنيتها الذاتية من حيث إظهار ما في تلك البنية من ضعف أو قبح، وهو أسلوب لو شاع بين الناس في المجتمع لأفضى إلى اضطراب كبير، وإذا أفضت الحرّية إلى الاضطراب كان ذلك مؤذنا بتقييدها.

ولعلّ ممّا يؤصّل لهذا القيد من قيود حرّية المعتقد قوله تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} (الأحزاب/60) ، فهؤلاء الذين تستنكر الآية تصرّفهم هم أولئك النفر في المجتمع الإسلامي بالمدينة الذين انتحلوا الإسلام انتحالا كيديا، وجعلوا من موقعهم ذلك يخذلون الإسلام ويخذّلون المسلمين، ويرجفون بالأخبار الكاذبة والإشاعات الزائفة المتعلّقة بهذا الدين ومعتنقيه قصد صرف الناس عنه، وبثّ الاضطراب والفتنة في المجتمع. لقد كان بعض اليهود في المدينة يجادلون في شأن المعتقد الذي جاء به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، نقدا له وانتصارا لمعتقدهم، ولم يكن ذلك سببا لمنعهم أو تهديدهم بالمنع، ولكن

(1) الرازي ـ التفسير الكبيرب: 2/ 146

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت