واللمز وما في حكمها فإنّها ليست واردة على المعتقد كمادّة موضوعية تتدافعها العقول بالحجّة، وإنّما هي واردة على مشاعر المعتقدين للإيذاء والنكاية، وهو ما لا علاقة له بأن تُفسح للعقول فرصة الاختيار تبعا لما يُطرح من الحجج العقلية بالنقد الموضوعي، وإنّما هو باب عريض من أبواب الفتنة بين الناس، ليس من شأنه إلاّ أن يؤدّي إلى التهارج بينهم، فينفتح إذن باب واسع للاضطراب الاجتماعي، وهو المبرّر لأن يُقفل باب الحرّية دونه.
ومن الأصول الشرعية المقرّرة لهذا المبدإ المنظّم لحرّية الرّأي قوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام/108) ، فبعد التشريع بالإباحة للمجادلة العقلية في شؤون المعتقدات بالحجّة العقلية معبّرا عنها بـ"التي هي أحسن"وهو تشريع لحرّية المعتقد، جاء هذا التشريع الضابط لتلك الحرّية بالحدود التي يكون فيها احترام المشاعر الدينية؛ ولذلك جاء هذا النهي عن أن يؤول الحوار في شأن المعتقدات إلى السباب الذي يجرح المشاعر ويفضي إلى الفتنة.
وهذا الأصل المنظّم لحرّية المعتقد في المجتمع الإسلامي هو أصل عامّ يستوي فيه أهل المعتقدات والأديان من المسلمين وغيرهم، فالحرّية في المجادلة بالحجّة في عرض المعتقد ونقد مخالفه حقّ للجميع، وتقف هذه الحرّية عند حدّ السباب والشتيمة بالنسبة للجميع أيضا، وهو ما أوضحه ابن عاشور في قوله: «وليس من السّبّ [المنهيّ عنه] إبطال ما يخالف الإسلام من عقائدهم [أي غير المسلمين] في مقام المجادلة، ولكنّ السّبّ أن نباشرهم في غير مقام المناظرة بذلك، ونظير هذا ما قاله علماؤنا فيما يصدر من أهل الذمّة من سبّ الله تعالى أو سبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأنّهم إن صدر منهم ما هو من أصول كفرهم فلا يُعدّ سبّا، وإن تجاوزوا ذلك عُدّ سبّا» [1] . وهذا ميزان حكيم في التفرقة بين ما هو مناظرة تبسط لها الحرّية، وبين ما هو شتيمة جارحة تدخل دائرة الممنوع.
وبحسب هذا الميزان فإنّه ليس من باب المحاجّة التي تُبسط لها حرّية المعتقد ما نجم عند بعض أهل الغرب بل وفي المجتمع الإسلامي أيضا منذ بعض السنوات من اعتداءات جارحة على بعض مقدّسات الإسلام ورموزه متمثّلة في ضروب من الاستنقاص والتحقير والاتّهامات، وهو ما يسبّب أذى كبيرا لمشاعر المسلمين، ويقال في تبريرها والدفاع عنها إنّها من باب الفنّ الذي هو غير ملزم بأن يعرض الحقيقة، وإنّما يجوز فيه الرمز واللمز. إنّ هذا الضرب من تناول المعتقدات بالعرض النقدي ليس إلاّ تعدّيا على المشاعر بما هو شتيمة وسباب وليس مجادلة ومناظرة، وهو بذلك يخرج عن دائرة حرّية المعتقدات. وقد كان الحسّ الإسلامي العامّ صادقا في موقفه من مثل هذه التصرّفات، فهذا الحسّ لم يثره ما جرت به أقلام كثيرة في نقد الإسلام في مجال المناظرة التي تستعمل الحجج العقلية، إذ قوبل ذلك النقد بحجاج عقلي هادئ، ولكنّه لمّا اعتُدي على المشاعر الإسلامية بالشتيمة والسباب كانت له ثورة معلومة وردود فعل صارمة [2] .
(1) ابن عاشور ـ التحرير والتنوير:7/ 430 ـ 431.
(2) يمكن أن يُذكر في هذا الصدد ما قوبل به من موقف إسلامي ثائر صاحب رواية آيات شيطانية، وصاحب رواية أعشاب البحر، وما حدث أخيرا من رسوم مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، وما اقترفه البابا في حق الإسلام من إساءة، فهؤلاء تحت غطاء الفنّ اعتدوا بالتحقير والتشنيع على معتقدات إسلامية، فقوبل ذلك باحتجاجات واسعة من قِبل عامّة المسلمين، وقد كان كثير غيرهم قبلهم وبعدهم تعرّضوا لتلك المعتقدات بالنقد الذي هو أخطر في حقيقته من السّبّ والشتيمة، ولكنّ ذلك الموقف لم يقابل إلاّ بردود علمية في مجال المناظرة، ويكاد عموم المسلمين لم يسمعوا بما جرى في هذا الشأن أصلا، وقد كان تاريخ الفكر الإسلامي يجري على هذا النحو، فقد حفلت المدوّنة الثقافية الإسلامية بالمناظرات بين ناقدين لمعتقدات إسلامية وبين مدافعين عنها في مناخ من حرّية المعتقد. راجع في ذلك كتاب المناظرات لابن السكوني.