مضاعفة، إذ قد جمعت بين خيانة الأمانة العلمية وخيانة أمانة التكليف، فيكون إذن الخطّ الحائل دون حرّية المعتقد فيها أشدّ وأقوى لما في ذلك من اعتداء مضاعف على حرّية الاختيار.
وممّا نشهده اليوم من مشاهد تطبيقية لبعض هذه الصور المخلّة بأمانة العرض ما يتصدّى له بعض المدّعين لعرض المعتقد الإسلامي على الناس من عامّتهم، أو على النّاشئة في إطار التربية والتعليم، فإذا بذلك العرض لا يحمل من المعتقد الإسلامي إلاّ الاسم، وأمّا المحتوى فهو لا يمتّ بصلة إلى ذلك المعتقد كما جاءت تعرضه مصادره، وكما استقرّ في أسسه الكبرى عند معتنقيه طيلة تاريخه، وإنّما هو تأويلات تقلب حقائقه رأسا على عقب، وتجعل من صفة الإسلام صفة غير منطبقة عليه، ويتم ذلك في أحيان كثيرة تحت عنوان الحرية الدينية إذ الدين ليس ملكا لأحد ولكل أن يبدئ رأيه فيه وأن يؤوّله كما يراه.
إنّ مثل هذه المشاهد لا يمكن أن تستصحب حرّية المعتقد لما تنطوي عليه من تزييف وتغرير بانتحال صفة الإسلام وإطلاقها على ما هو ليس بإسلام، ناهيك إذا كان ذلك في إطار التربية والتعليم. ولو عرض هؤلاء العارضون معتقدهم ودعوا إليه تحت اسم آخر غير اسم الإسلام وفي غير إطار التعليم لكان ذلك أدعى إلى استصحاب الحرّية في عرضهم ودعوتهم إذا ما تحقّقت الشروط الأخرى لتلك الحرّية [1] .
د ـ احترام المشاعر الدينية
من الحدود الأساسية لحرّية المعتقد احترام المشاعر الدينية، فمن العلوم أنّ للمعتقدات في النفوس حرمة لا تدانيها حرمة، حتّى إنّ أصحاب المعتقدات يضحّون بأنفسهم في سبيل معتقداتهم. وإذا كانت حرّية المعتقد تتحمّل أن يقع تناول معتقدات الآخرين بالنقد الذي يهدف إلى بيان مكامن الضعف فيها، وبيان ما في حججها من تهافت، وما ينتهي إليه اعتناقها من بوار، وغير ذلك مما هو داخل ضمن الاحتجاج العقلي، فإنّها لا تتحمّل بحال أن يقع تناول تلك المعتقدات بما يجرح حرمتها في نفوس أصحابها خارج نطاق الحجاج العقلي، فتتأذّى تلك النفوس جرّاء ذلك، لما ينال معتقداتها من مهانة.
وما يجرح المشاعر الدينية أصناف من التصرّفات، فمنها تناول المعتقدات بالتحقير والاستنقاص والشتيمة. ومنها تناول الرموز الدينية من أشخاص ومقدّسات مختلفة بالتشنيع المادّي والمعنوي سبابا وقذفا واتّهاما. ومنها الغمز واللمز والنبز في تلك الرموز بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة عن طريق القصّ الأدبي والروايات والتمثيليات والرسوم وما شابه ذلك، فهذه التصرّفات كلّها من شأنها أن تجرح المشاعر الدينية بما هي استهتار بالمقدّسات ونيل منها بما لا تتحمّله النفوس المؤمنة بها لشدّة حرمتها فيها، وشدّة غيرتها عليها.
وإنّما تسمح حرّية المعتقد بالنقد ولا تسمح بما يجرح المشاعر لأنّ النقد فيه بيان لحقيقة المعتقدات في ذاتها قصد إظهار ما فيها من حقّ أو باطل ليتّخذ السامع منها موقفا بناء على ما يظهر له من ذلك الحقّ والباطل، فساحة التدافع في هذه الحال هي الحجّة العقلية الواردة على مادّة موضوعية مطروحة لنظر الجميع، وأمّا التحقير والشتيمة
(1) من البيّن أنّ هذا المشهد لا يندرج فيه ما يقع من اختلاف أنظار في فهم الدين، ومن تأويلات ذات وجه معقول، ومن كلّ ما من شأنه أن يبقي على صفة الإسلام منطبقة على ما يُدعى إليه، فهذا ما جرى عليه تاريخ الإسلام منذ نزوله متمثّلا في ذلك العدد الكبير من المذاهب والفرق التي حفل بها التاريخ الفكري للإسلام والتي ضُمنت لها الحرّية في عرض معتقداتها والدعوة إليها.