المعتقد تمنع في حقّ العارضين لمعتقداتهم حتى ينعدل الوضع بتكافؤ الفرص، وحينما ينعدل ذلك الوضع يكون لكلٍّ في المجتمع الإسلامي حرّية المعتقد إظهارا واحتجاجا ودعوة كما مرّ بيانه [1] .
ج ـ الأمانة في العرض
إذا أراد صاحب معتقد في المجتمع الإسلامي أ ن يعرّف بمعتقده ويدعو إليه ممارسة لحرّية المعتقد، فإنّه يكون بمقتضى تلك الحرّية مطالبا بأن يعرض ذلك المعتقد بأمانة كما هو عليه في حقيقته التي استقرّ عليها وعُرف بها، وذلك سواء من حيث بناؤه الفكري أو من حيث تاريخه أو من حيث آثاره، وإذا كان معتقدا جديدا فالأمانة تقتضي أن يكون ذلك بيّنا لدى السامعين، وأن يُعرض هذا المعتقد الجديد بوضوح وتميّز، وأمّا إذا داخل عرض المعتقد المدعوّ إليه، والذي هو مستقرّ في حقيقته معلوم بوثائقه وتاريخه تزييف وتلبيس، وإلحاق لما ليس منه به، وتجريد له من بعض ما فيه مع المحافظة على اسمه المعهود، فإنّ ذلك يكون خطّا تقف دونه حرّية المعتقد في بعدها الدعوي؛ وذلك لما تنتهي إليه هذه الحرية من تلبيس خادع يزيّن ما قد يكون قبيحا، ويستدرج السامعين بما قد يكون حقّا إلى ما هو باطل، وفي ذلك ضرب من الاعتداء على حرّيتهم في الاختيار، تلك الحرّية التي تقتضي أن يكون الاختيار واردا على ما هو معروض على حقيقته لا على ما هو معروض بتزييف، فإذا ما داخل العرضَ تزييف كان ذلك مبرّرا لمصادرة حرّية العارض ضمانا لحرّية السامعين.
وممّا يندرج تحت هذا القيد الضابط لحرّية المعتقد أنّ العارض لمعتقده على الناس إذا ما قام في سياق عرضه بنقد ما هو مخالف له من المعتقدات الأخرى ينبغي أن يكون أمينا في نقده، وذلك بأن يكون نقده مبنيا على تصوير تلك المعتقدات كما هي عند أصحابها دون تحريف فيها بزيادة أو نقصان أو تغيير ممّا من شأنه أن يشوّه صورتها ويقبّحها عند المخاطَبين، فهذا التزييف المقصود به التبشيع هو ممّا تقف عنده حرّية المعتقد كما وقفت عند التزييف من أجل التحسين لما في كلّ منهما من هدر للاختيار الحرّ بين المعتقدات الذي لا يتحقّق إلاّ بإظهارها على حقيقتها سواء في سياق العرض أو في سياق النقد [2] .
وإذا كانت هذه الأمانة في عرض المعتقدات شرطا في حرّية المعتقد بصفة عامّة فإنّها تصير شرطا مغلّظا حينما يتعلّق الأمر بأمانة تربوية يعهد فيها المجتمع إلى من يعلّم الناشئة ما يرتضيه من دين، فإنّ هذا المعلّم ينبغي عليه أن يؤدّي هذه الأمانة بالوقوف في تعليمه عند المعتقد الذي كُلّف بتعليمه كما هو عند من كلّفوه، فإذا ما انحرف به إلى ما يرتئيه هو من تأويلات خاصّة به في ذلك المعتقد، أو انحرف به إلى ما يغيّر حقيقته كما هي عند أصحابه بأيّ صورة من صور التغيير، فإنّ ذلك تكون به خيانة الأمانة
(1) يقع الحديث أحيانا من قِبل بعض المسلمين عن منع الدعوة إلى معتقدات غير إسلامية في المجتمع الإسلامي من مثل ما تقوم به الإرساليات التنبشيرية وغيرها، ونحسب أنّ الحديث عن المنع في هذا الشأن ينبغي أن لا يكون معلّلا بهذه الدعوة من حيث ذاتها، إذ الحرّية في ذلك مكفولة من حيث المبدأ، ولكن يُعلّل بعدم تكافؤ الفرص، إذ غالبا ما يكون هؤلاء الدعاة إلى معتقداتهم المخالفة للإسلام متوفّرين على إمكانيات مادّية ومعنوية كبيرة من قِبل الجهات التي ترعى نشاطهم، وهي إمكانيات لا تتوفّر للدعاة المسلمين لا في البلاد الإسلامية ولا في البلاد غير الإسلامية التي يعيشون فيها، فإذا تكافأت الفرص بين الجميع في الدعوة إلى معتقداتهم فلا مبرّر إذن للمنع، وتمضي حرّية المعتقد مرسلة.
(2) لا يدخل في ما قلناه سواء في العرض أو في النقد ما قد يُسلك من مسلك المدح ببيان الصحّة، والذمّ ببيان الفساد، وبيان ما يترتّب على الصحّة من منافع ومصالح، وما يترتّب على الفساد من مضارّ إذا كان كلّ ذلك مبنيا على تصوير المعتقد المعروض أو المنتقد على وجهه كما هو عند أصحابه، فإنّ ذلك يدخل تحت باب الاحتجاج الذي هو مشروع في إطار حرّية المعتقد، فإذا ما انقلب الأمر إلى تزييف وتلبيس كان مانعا من ممارسة تلك الحرّية.