الصفحة 21 من 28

يعتمد الحجّة، وهو الشرط الذي يُسمح به للحرّية في المعتقد من جهة إظهاره والدعوة إليه، فإذا ما اختلّ مثلما هو الأمر في هذه الحال قُيّدت تلك الحرّية ووقفت عند ذلك الحدّ.

ب ـ تكافؤ الفرص

إذا كان يجوز في المجتمع الإسلامي من حيث المبدأ لكلّ صاحب معتقد أن يعرض معتقده ويدعو إليه بمقتضى ما شُرّع من الحرّية في ذلك، فإنّ من القواعد التي تضبط تلك الحرّية أن يكون بين الفرقاء العارضين لمعتقداتهم والداعين إليها تكافؤ في فرص عرضهم ودعوتهم، بحيث يتساوى الجميع في الإمكانيات الممكّنة من ذلك، من كان عارضا منهم ومن كان معترضا، ومن كان محتجّا ومن كان ناقدا للحجج.

والمقصود بتكافؤ الفرص في هذا الشأن أن يتساوى جميع المشاركين فيه متوفّرين على ذات الشروط الممكّنة من المشاركة فيه ممّا هو داخل في مجال الشروط الخارجية التي لا تتعلّق بالإتقان في العرض أو البراعة في الاحتجاج أو القدرة على الإقناع أو ما شابه ذلك ممّا هو عائد إلى قدرات مكتسبة من قِبل أصحاب المعتقدات بجهودهم.

وممّا يمكن أن يُعدّ من تلك الشروط التي يُطلب في سبيل حرّية المعتقد أن تكون محلّ تكافؤ تمكّن الجميع من قدر مشترك من وسائل التبليغ التي تتوقّف على ترخيص من منابر إعلامية وتنظيمات ثقافية ومؤسّسات تعليمية حينما يكون ذلك موقوفا على الترخيص، وتمكّنهم من قدر مشترك من التمويل أو أسبابه حينما يكون ذلك متوقّفا على منح خارجي، وتمكّنهم من ظروف متشابهة تجري فيها مناشطهم المعرّفة بمعتقداتهم والداعية إليها.

وأمّا إذا وقع حيف بأيّ سبب من الأسباب في تكافؤ هذه الفرص، بأن وُفّرت أو توفّرت للبعض دون البعض، فإنّ ذلك يكون خطّا تقف دونه الحرية الدينية في بعدها الدعوي؛ وذلك لما يفضي إليه هذا الحيف من خلل في تدافع الآراء، ومن فرصة للمقارنة بينها، واختيار ما يقع به الاقتناع منها، فحينما يُتاح لصاحب معتقد مّا مالٌ يقوى به على الحركة من أجل عرض معتقده، وأبواق دعائيّة ينشر بها ذلك المعتقد، وتنظيمات ينظّم من خلالها دعوته إليها، ولا يتوفّر من ذلك شيء لغيره من أصحاب المعتقدات المغايره، فإنّ ذلك يفضي إلى أنّ السامعين من أفراد المجتمع لا يستمعون إلاّ إلى دعوة واحدة لعلوّ صوتها، ويُحرمون من الأصوات التي تنقدها وتعرض المخالف لها، وذلك ضرب من التغرير الذي تقف عنده هذه الحرية، إذ فيه تسويق للرّأي الواحد وحجب لغيره ممّا من شأنه أن يهدر إمكان التمييز والحكم والاختيار.

وممّا يجري به الحال اليوم أنّ بعض المعتقدات يُمكّن أصحابها دون غيرهم من الوسائل المختلفة لعرضها والإقناع بها، وقد يكون ذلك بتخطيط من شبكات عالمية تتّخذ لها وكلاء في مختلف البلاد بما فيها البلاد الإسلامية، فتزوّدهم بقدرات مالية هائلة، وبوسائل إعلامية فاعلة، وتسهّل لهم أعمالهم بتسخير تنظيمات ومؤسّسات مختلفة، فإذا هم في نشر معتقداتهم يصولون ويجولون، وغيرهم مغلول الأيادي لا يقدر من ذلك على شيء فيما يتعلّق بالتعريف بالمعتقد المخالف لما يدعون إليه من معتقدات، وذلك بفعل سدود وقيود وموانع مباشرة وغير مباشرة تقام في وجوههم إمّا بالمؤامرات والدسائس، أو بقوّة القانون، أو بالبطش والاستبداد، أو بالحرمان من وسائل العمل الدعوي.

وفي المجتمع المسلم ينبغي أن تتوفّر الفرص متكافئة لكلّ صاحب عقيدة كي يعرّف بعقيدته، إلاّ أن يكون تغريرا أو غواية بمظاهرها المختلفة، وحينئذ فإنّ التدافع بين الآراء والمعتقدات سيظهر به للناس ما هو حقّ من تلك المعتقدات وما هو باطل تبعا لقوّة الحجج التي تسندها، فيختارون منها ما يقنعهم بحرّية لا يصادرها احتكار في العرض أو حيف في فرص التبليغ، فإذا ما صُودرت بذلك تلك الحرّية في اختيار السامعين فإنّ حرّية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت