الصفحة 20 من 28

عوامل خارجية قامت مقام المغرِّرات المضلّلة. ولهذه الغواية التي تقف حرّية المعتقد عند حدودها صور متعدّدة متجدّدة.

فمنها الإغواء بأن يكون الخطاب مصحوبا بمغريات مادّية من تقديم أموال أو تحقيق شهوات فيما يشبه المقايضة متمثّلة في اعتناق المعتقد موضوع الخطاب من قِبل المدعوّين إليه مقابل تقديم تلك المغريات المادّية إليهم وليس اقتناعا منهم به في ذاته لما يتضمّنه من أفكار وما يسنده من حجج. إنّ هذا الصنيع هو حدّ تقف دونه الحرية الدينية لما يتضمّنه من تزييف هو ضرب من الإكراه النفسي، إذ تُستغلّ فيه الحاجة إلى إشباعات مادّية لتكون طريقا لنشر المعتقد فيما يشبه الابتزاز الذي هو ضرب من الإضلال والتغرير. ومن الإشارات القرآنية في هذا الشأن قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل/125) ، وهو ما يومئ إلى أنّ الدعوة إلى المعتقدات بغير ذلك من أساليب التغرير أمر منكر تقف دونه حرّية الدعوة، وذلك ما قرّره الرازي في قوله: «اعلم أنّ الدعوة إلى المذهب والمقالة لا بدّ وأن تكون مبنية على حجّة وبيّنة» [1] .

ومنها إغواء الضعفاء من الأمّيين والبسطاء، والقصّر من الأحداث وغيرهم، وذلك بأن يُفصل هؤلاء عن محيطهم الأسري أو الاجتماعي، ويُركن بهم إلى خلاء، فيُستغلّ ضعفهم وقصورهم، ويمارس عليهم خطاب لا تكون لهم قدرة على تبيّن محتواه تبيّنا واعيا، فإذا هم يُعبّأون بمعتقدات يُلقّنونها تلقينا فيما يُشبه المخادعة التي تنتفي فيها قدرتهم على تمحيص ما يُلقّنون والقرار بقبوله أو ردّه، فيكون قَبولهم للمعتقدات التي يتضمّنها الخطاب حاصلا لديهم بضرب من الإكراه، وهو المبرّر لأن يكون هذا الإغواء حدّا تقف دونه الحرية الدينية.

وممّا يدخل ضمن هذا الإغواء ما نراه اليوم حاصلا في الإعلام من برامج تتّجه للأطفال، وتخاطبهم في بعض المضامين الاعتقادية بضروب من الإيحاءات من شأنها أن ترسّخ تلك المفاهيم في أذهانهم بطريقة تمرّ بها إليهم دون قدرة منهم على التمييز بينها والحكم عليها، بل هي طريقة تصبح بها تلك المفاهيم غير مقدور منهم على مراجعتها حتى عندما ترشد عقولهم، وتبلغ درجة القدرة على التمييز والحكم.

وممّا يشبه هذا أيضا ما يمارسه الإعلام اليوم من خطاب يتّجه به إلى العامّة من الناس، ويكون حاملا لمعان عقدية بصفة مباشرة أو غير مباشرة، يمرّرها إلى عقولهم بطرق شتّى تلتقي كلّها عند معنى من التغرير بهؤلاء المخاطَبين الذين لا يملكون إزاء هذا الخطاب إمكانية التمييز بين ما هو حقّ فيه وما هو باطل، وذلك لقوّة ما يخالطه من التزيين والتمويه، ولقصور الكثير من سامعيه عن إدراك الحقيقة فيه وراء ما خالطه من تزيين وتمويه، إنّه يشبه أحيانا أن يكون ضربا من غسل الأدمغة، حيث يُكرّس على السامعين تكرار مستمرّ لتلك المعاني ذات الأبعاد العقدية في صور مختلفة وبأساليب شتّى حتّى ترسخ في الأذهان على أنّها حقّ دون أن تتوفّر فرصة لتمرّ بميزان النقد الذي

(1) الرازي ـ التفسير الكبير: 10/ 141، وربّما قيل إنّ في الإسلام تشريعا بإعطاء المال إلى من عرفوا بالمؤلّفة قلوبهم، وفي هذا شيء من الدعوة إلى المعتقد برشوة مالية، والحقّ أنّ المؤلّفة قلوبهم هم أولئك الذين أسلموا بعدُ أو أظهروا ميلا للإسلام، وإعطاؤهم قسطا من المال إنّما هو لتأليفهم وتثبيتهم على ما آمنوا به وليس لجعلهم مسلمين بسبب ذلك المال، وهو ما ذكره الطبري ـ جامع البيان: 6/ 207 في قوله: «وأمّا المؤلّفة قلوبهم فإنّهم قوم كانوا يُتألّفون على الإسلام ممّن لم تصحّ نصرته استصلاحا به نفسه وعشيرته"، وذلك ما يوافق تفسير ابن عبّاس، إذ فسّر المؤلّفة قلوبهم كما جاء في نفس المصدر بأنّهم"قوم كانوا يأتون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أسلموا، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرضخ لهم [أي يعطيهم] من الصدقات» ، فهذه الأعطيات إذن إنّما هي طلبا لنصرة هؤلاء المؤلّفة وإدماجا لهم في الحظيرة الإسلامية وليس من أجل أن يقتنعوا بالمعتقد الإسلامي الذي يبقى الطريق إليه طريق الإقناع بالحجّة كما أشار إليه الرازي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت