مع غيره من أهل المعتقدات الذين يعيش معهم، فإنّ ذلك كلّه من شأنه أن يكون له دافعا لممارسة حرّيته في التفكير والاعتقاد والممارسة الدينية.
وفي المجتمع الإسلامي زمن قوّته وازدهاره مصداق لذلك، إذ شهد من الممارسة الواسعة لهذه الحرّية ما قامت به سوق حوارية ثقافية واجتماعية نشيطة، أثمرت ذلك الثراء الفكري والوئام الاجتماعي المشهودين. وإذا كان قد جرى الواقع في المجتمع الإسلامي أحيانا على غير هذا السياق، أو قد أفرزت الاجتهادات في بعض الأحيان آراء غير موفّقة في هذا الشأن، فإنّ العبرة تكون بالأصول، وبما جرى عليه غالب الأمر بحسب تلك الأصول.
5 ـ ضوابط الحرية الدينية
ليس من حرية في أيّ مجال من مجالات الحياة يمكن أن تكون حرية مطلقة؛ ذلك لأنها حينما تكون كذلك فإنها تنتهي إلى أن تعود على نفسها بالنقض، لأن حرية أفراد أو فئات أو جماعات قد تكون مناقضة لحرية آخرين، فلو أُرسلت على الإطلاق فإنها سوف تعصف بها، ويؤول الأمر إلى نقض الحرية لنفسها؛ ولذلك فإن الحرية عامة والحرية الدينية من بينها لا بدّ أن تُضبط بضوابط وتقيّد بقيود من شأنها أن تحافظ بها على نفسها، وأن تحول دون الوقوع في الانتقاض، إلا أنّ تلك الضوابط ينبغي أن لا تبلغ من التضييق درجة تنتهي بالحرية إلى الإهدار، فهي إذن معادلة دقيقة نقدّر أن الشريعة الإسلامية جاء فيها بميزان دقيق.
ولو كانت الحرية الدينية شأنا شخصيا تقف آثاره عند حدّ الفرد المعنيّ بها لما احتاج الأمر فيها إلى ضوابط وحدود، إذ يمكن للفرد حينئذ أن يفكّر كما يشاء ويعتقد ما يشاء ليبقى تأثير ذلك مقتصرا على ذاته فيتحمّل هو مسؤوليته، ولكن لمّا كانت هذه الحرّية ذات أبعاد اجتماعية، بل إنّها لا تكتمل حقيقتها إلاّ بامتدادها في تلك الأبعاد من مثل إظهار المعتقد والدفاع عنه والدعوة إليه كما بيّناه سابقا، فإنّ الضوابط والحدود حينئذ تصبح أمرا مهمّا وضروريا شأن كلّ ما هو ذو بعد اجتماعي من مناشط الإنسان.
ولعلّ هذه الحدود والضوابط المتعلّقة بالحرية الدينية، والتي يقتضيها بعدها الاجتماعي هي من أدقّ ما تنطوي عليه هذه القضية من العناصر، إذ هي إذا لم تقم على معادلة دقيقة بين ما يحفظ حقيقة الحرّية وجوهرها وبين ما يضمن بلوغها أهدافها، فإنّها قد يؤول الأمر فيها إلى ما يهدرها، إمّا بالتقييد الذي ينقض حقيقتها، وإمّا بالفوضى التي تعطّل مفعولها، وقد وقع من ذلك شيء كثير في التاريخ بما فيه تاريخ المجتمع الإسلامي نفسه، إن على مستوى التأصيل النظري، وإن على مستوى الواقع العملي. ولكنّ المتأمّل في تلك الحدود والضوابط كما أصّلتها التعاليم الإسلامية، وكما جرى عليه الأمر في المجتمع الإسلامي حقبا طويلة من الزمن يجد أنّها قُدّرت على معادلة دقيقة تتفادى ذلك المصير الذي تنتهي إليه الحرّية بالقيود المتعسّفة أو بالاضطراب والفوضى. ولعلّ من أهمّ تلك الحدود والضوابط ما يلي:
أ ـ منع الغواية
ومعنى ذلك ألاّ تكون حرّية التفكير والاعتقاد فيما تنتهي إليه من إظهار للمعتقد ودفاع عنه ودعوة إليه سالكة مسلك التغرير بمن يتوجّه إليهم الخطاب، وذلك بمثل أن يكون ذلك الخطاب مستعملا في بيان موضوعه وفي الدعوة إليه والإقناع به أدوات خارجة عن ذات ذلك الموضوع ممّا يتضمّنه من أفكار وممّا يسنده من حجج قصدَ أن تكون تلك الأدوات الخارجة مسوّغا لاعتناق المعتقد المبيّن المدعوّ إليه، فيكون ذلك المعتقد إذن قد رُوّج بين الناس وأصبح معتقدا لهم لا بمقتضى قوّته الذاتية وإنّما بمقتضى