الصفحة 18 من 28

عنها، ويجادلون المخالفين لهم فيها، بل وينتقدون ما هو معارض لها من معتقدات إسلامية فلا يتعرّضون بسبب ذلك إلى إكراه مادّي أو معنويّ.

ومن ذلك قول اليهود وهم يعيشون في المجتمع الإسلامي بالمدينة في سياق تعريضهم بالمعتقد الذي جاء يبشّر به النبيّ - في شأن الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} (المائدة/64) ، ولم يكن الردّ عليهم بأكثر من تأنيبهم وتسفيه مقالتهم بالرغم من التطاول الذي يحمله انتقادهم. وقد جرى المجتمع الإسلامي في عهود ازدهاره على أن يكفل لغير المسلمين فيه الحقّ في عرض معتقداتهم والدفاع عنها ونقد المعتقدات الإسلامية، ولا أدلّ على ذلك ممّا كانت تحفل به مجالس العلم وحلقات الدرس والمنتديات العامّة من المناظرات العلمية التي يشترك فيها أهل الأديان فيعرضون فيها معتقداتهم وينقدون فيها المعتقدات الإسلامية، وما كانت تحفل به المؤلّفات كتبا ورسائل ومدوّنات من ذلك، وقد عدّد ابن النديم أفرادا من أولئك المجادلين المنتقدين للمعتقدات الإسلامية، وقال فيهم: «لهؤلاء كتب مصنّفة في نصرة الاثنين ومذاهب أهلها، وقد نقضوا كتبا كثيرة صنّفها المتكلّمون في ذلك» [1] .

وإذا كانت قد أتت عصور على المجتمع الإسلامي ربّما قُيّد فيها هذا الحقّ في إظهار المعتقدات والدعوة إليها بأسباب وجيهة أحيانا و غير وجيهة أحيانا أخرى فإنّ أصل هذا الضمان من ضمانات ممارسة الحرّية الاعتقادية يبقى أمرا مطلوبا في كلّ زمان لأنّه أصل شرعي مبدئيّ، فتكون المطالبة به، والسعي في تحقيقه من المقتضيات الاجتماعية للتديّن، وهو ما أكّده في العصر الحديث جملة من فقهاء الدستور الإسلامي مثل الإمام المودودي الذي يقول في هذا الشأن:"سيكون لهم [أي غير المسلمين في المجتمع الإسلامي] الحقّ في انتقاد الدين الإسلامي مثلما للمسلمين الحقّ في نقد مذاهبهم ونحله وسيكون لهم الحرّية كاملة في مدح نحلهم" [2] .

ومن الضمانات القانونية لممارسة حرّية المعتقد الحقّ في المساواة بين الطوائف المكوّنة للمجتمع الإسلامي على اختلاف معتقداتها، إنّها مساواة في الحقوق والواجبات، إلاّ في حقّ الترشّح لرئاسة الدولة، فإنّه باعتبار خصوصية هذا المنصب الذي من مهامّه رعاية الدين الذي يتديّن به غالبية المجتمع فإنّه يُستثنى فيه أصحاب المعتقدات غير الإسلامية، ويكاد تاريخ الدول قديمها وحديثها لا يعرف دولة لا يتضمّن دستورها قيودا يخرج بها من هذا الحقّ بعض الأفراد أو الطوائف المكوّنة لمجتمعاتها.

وأمّا ما يُثار أحيانا من أنّ المجتمع الإسلامي تُفرض فيه الجزية على أصحاب المعتقدات غير الإسلامية، وما يعدّ به ذلك ضربا من الحيف المخلّ بالحرية الدينية بسبب المعتقد، فتفسيره أنّ الجزية إنّما هو واجب مالي فُرض على غير المسلمين مقابل إعفائهم من واجب الزكاة التي هي عبادة لا يمكن أن تُفرض على غي المسلمين، وكذلك إعفائهم من الواجب العسكري في الدفاع عن الدولة، فإذا ما تحمّلوا واجب الدفاع سقط عنهم ذلك الواجب المالي، فليس هو إذن بحيف اجتماعي بسبب المعتقد [3] .

إنّ هذه الضمانات القانونية بمفهومها الشرعي لمن شأنها حينما تُصان دستوريا وواقعيا أن تجعل من ممارسة حرّية الحرية الدينية أمرا واقعا، إذ حينما يكون الإنسان آمنا في إظهاره لمعتقده، وفي دفاعه عنه ودعوته إليه، وفي حصوله على حقوقه بالسويّة

(1) ابن النديم ـ الفهرست: 338

(2) المودودي ـ نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور: 361، وراجع له أيضا: تدوين الدستور الإسلامي:61 وما بعدها، وراشد الغنوشي: الحرّيات العامّة في الدولة الإسلامية:44 وما بعدها، ومحسن الميلي ـ العلمانية أو فلسفة الموت: 38

(3) راجع في ذلك: محمد سليم العوا ـ في النظام السياسي للدولة الإسلامية: 255 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت