الصفحة 17 من 28

ج ـ الضمانات القانونية

قد تكون حرّية الرّأي والمعتقد أمرا هيّنا حينما يتعلّق الأمر فيها بشأن الفرد من حيث تحمّله للمسؤولية الجزائيّة فيه، ومن حيث الضمانات المنهجية التي تضمن له الممارسة الفعلية لهذا الحقّ والواجب في ذات الآن، ولكن حينما يُنظر إلى هذه الحرّية في بعدها الاجتماعي وهو جوهرها فإنّ الأمر فيها يصبح أكثر تعقيدا، إذ قد تتوفّر الشروط الضامنة لممارستها بالنظر إلى ذات الفرد، ولكنّ الهيئة الاجتماعية تحول دون ذلك بشكل أو آخر من أشكال الحيلولة، فإذا هذه الحرّية لا تبلغ مقاصدها من خلال التفاعل الاجتماعي، فتفقد الشطر الكبير من قيمتها حتى وإن تحقّقت في المستوى الفردي، إذ حرّية التفكير والمعتقد مبنيّة في جوهرها على المعنى الاجتماعي كما مرّ بيانه؛ ولذلك فقد جاء التشريع الإسلامي يولي أهمّية بالغة للبعد الاجتماعي في الحرية الدينية، ويحيطها من أجل ذلك بضمانات قانونية من الأحكام الشرعية تضمن صيرورتها الاجتماعية فتحقّق مقاصدها الأساسية.

ومن تلك الضمانات منع التفتيش عمّا في القلوب من معتقد ليجري على أساسه التعامل القانوني والاجتماعي مع أصحابها، والأخذ في ذلك بظاهر ما يصرّح به صاحب المعتقد بقطع النظر عمّا يضمره في حقيقته حتّى وإن كانت تلك الحقيقة معلومة بطرق أخرى، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يعلم أنّ بعضا ممّن كانوا حوله في المدينة يظهرون إيمانهم به وتأييدهم له وهم في حقيقتهم ما يزالون على معتقداتهم الشركية، ولكنّه كان يعاملهم على أساس ما يعلنون من معتقدهم، ويرفض الإيقاع بهم كما أشار عليه بعض الخلّص من أصحابه. كما أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان شديد التقريع لأحد أصحابه حينما تمادى في إحدى المعارك في قتل رجل أعلن إيمانه برفع الشهادة متعلّلا بأنّ إعلانه ليس إلاّ بغية النجاة [1] . ولنا أن نقارن في هذا الشأن بما وقع في الأندلس عند سقوطها، إذ أُكره المسلمون فيها على التنصّر، وسُلك معهم مسلك التفتيش عمّا في القلوب دون اكتفاء بظاهر تصاريحهم، فلم يكن مكفولا لهم هذا الحقّ القانوني الذي يضمن لهم حرّية المعتقد متمثّلا في المعاملة بحسب التصريح كما هو الشأن في التشريع الإسلامي.

ومن تلك الضمانات القانونية كفالة الحقّ في إظهار المعتقد والتعبير عنه، قولا بالشرح والبيان، وفعلا بممارسة العبادات والشعائر، ففي المجتمع المسلم يُكفل لكلّ صاحب دين أن يُعبّر عن دينه بالشرح والبيان، وأن يُعبّر عنه بإقامة المعابد والشعارات والرموز، وبممارسة العبادات والطقوس، وليس لأحد أن يمنعه من ذلك بما قد يلجئه إلى جحد دينه أو تبديله في ضرب من الإكراه المصادر لحرّية المعتقد. ومن البيّن أنّ كفالة هذا الحقّ في إظهار المعتقد تضمن ممارسة الحرّية الدينية بما تشيع من اطمئنان إلى نتائج مستلزماتها القولية والسلوكية، والتطبيقات العملية لهذا الضرب من الضمانات القانونية في تاريخ المجتمع الإسلامي أمر معلوم لا يحتاج إلى برهان.

وممّا يُلحق بهذا الضمان القانوني وينتهي به إلى كماله ما كُفل لمن يعيش في المجتمع الإسلامي من حقّ في الدفاع عن معتقده، وفي الاستدلال على صحّته، وفي الدعوة إليه، وفي نقد ما يخالفه من المعتقدات وإن يكن المعتقد الإسلامي نفسه. لقد جاءت في القرآن الكريم محاورات كثيرة يُدلي فيها أهل الأديان بآرائهم في معتقداتهم، وينافحون

(1) أخرج مسلم: كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، عن أسامة بن زيد قال «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقال لا إله إلا الله وقتلته قال قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت