الأمر بتحصيل هذه الضمانات سيق في مساق أنّها إذا ما حصلت على الوجه المطلوب لا يمكن أن يفضي التفكير المتحرّر بها إلاّ إلى المعتقد الحقّ، فإنّها تظلّ قواعد عامّة تضمن الحرّية في التفكير والمعتقد.
وما أكثر ما نرى اليوم بالرغم من الادّعاء العريض للحرية الدينية من هدر لهذه الضمانات المنهجية، فإذا الانغلاق المذهبي، والسطوة الإعلامية، والغواية الدعائيّة المختلفة الألوان تسلب العقول حرّيتها الفكرية فتنتهي إلى معتقدات مفروضة فرضا من حيث لا يشعر صاحبها في كثير من الأحيان، إنّها إذن أزمة منهجية عالجتها تعاليم الدين بما شرّعت من هذه التوجيهات الملزمة إلزاما دينيا.
ب ـ الضمانات الجزائيّة
إنّ حرّية التفكير والاعتقاد لم ترسل في التعاليم الإسلامية إرسالا في تحمّلها، إن شاء الإنسان مارسها باعتبارها حقّا من حقوقه، وإن شاء تنازل عنها على ذات الاعتبار، دون تبعة في هذا وذاك، بل قد ضُمّنت معنى الوجوب إضافة إلى معنى كونها حقّا، فأصبحت حقّا وواجبا في نفس الآن، واكتسبت بذلك معنى المسؤولية التي تستلزم تحمّل التبعة الجزائيّة على ما تمّ في شأنها من تحمّل لها أو تخلّ عنها. ولا شكّ أنّ المبادئ والأفكار يختلف الأمر في شأنها من حيث تحمّلها التطبيقي بين ما إذا كانت تحمل معنى المسؤولية المتبوعة بالجزاء، وبين ما إذا كانت مرسلة عفوا من ذلك، إذ المسؤولية الجزائية تكون إحدى أكبر الضمانات في صيرورتها إلى الممارسة الفعلية.
وفي الإسلام لمّا شُرّعت حرّية الاعتقاد فإنّها جُعلت مستتبعة بالمسؤولية عنها من حيث ما يفضي إليه تحمّلها أو عدمه من نتائج، فإذا ما مارس الإنسان حرّية التفكير من أجل الاعتقاد على الوجه الصحيح، وبذل الوسع في ذلك فإنّه سينتهي إلى ما يكون له به جزاء الأجر، وإذا ما أخلّ بذلك، ونصّب سلطانا على عقله من نوازعه الداخلية أهواءً وشهواتٍ، أو من مستبدّين خارجه آباء وأجدادا ورهبانا وكهّانا ووسائلَ إعلام وأبواقَ غواية فإنّه يتحمّل مسؤولية ما ينتهي إليه من معتقدات جزاء عقابا.
وليس للإنسان عذر حينما يتخلّى عن حرّيته في التفكير والمعتقد بأنّ ذلك كان بسبب تعرّضه للتسلّط والإغواء؛ ذلك لأنّه مُكّن من الحرّية تمكينا فطريا وتمكينا شرعيا فأباها وعرّض نفسه باختياره للتسلّط، فعليه أن يتحمّل مسؤولية تفريطه في حرّيّة التفكير وما تفضي إليه من حرّية المعتقد، وقد ورد هذا المعنى في قوله تعالى واصفا مجادلة المفرّطين في حرّيتهم مع من مكّنوهم من التسلّط على أنفسهم: { (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم} (إبراهيم/22) ، فهؤلاء الذين مكّنوا الشيطان ومن في حكمه من عقولهم مصادرة لحرّيتهم ليس لهم عذر في ذلك من تسلّطهم عليهم؛ وذلك لأنّهم ليس لهم عليهم سلطان قاهر، بل قدكانوا ممكّنين من تلك الحرّيّة، وإذن فإنّهم يتحمّلون المسؤولية على ممارسة حرّية التفكير وما يتبعها من معتقد وعلى التفريط فيها، وتحميل هذه المسؤولية وما يترتّب على ذلك من الجزاء هو أحد أقوى الضمانات للممارسة الفعلية للحرّية، وذلك ما أشار إليه ابن عاشور في شرحه للآية الآنفة إذ يقول: «وأخبر الله بها الناس استقصاء في الإبلاغ ليحيط الناس علما بكلّ ما سيحلّ بهم، وإيقاظا لهم ليتأمّلوا الحقائق الخفيّة فتصبح بيّنة واضحة» [1] .
(1) ابن عاشور ـ التحرير والتنوير: 13/ 219.