إذا كان من المهمّ أن يقع التشريع للحرية الدينية باعتبار ذلك تأسيسا لهذه الحرّية حتى تكون مكتسبة صفة الشرعية الدينية، فإنّه من المهمّ أيضا أن تحاط بضمانات تضمن لها السيرورة الفعلية في المجتمع، وتحول دون إهدارها واقعا بأيّ سبب من الأسباب وأيّ تأويل من التآويل مهما يكن لها من صفة شرعية نظرية، فالمبادئ النظرية مهما تكن عليه من حقّ في ذاتها فإنها كثيرا ما يصيبها الانتكاس في الواقع حينما لا تتوفّر لها ضمانات التطبيق الفعلي؛ ولذلك فقد أحاط التشريع الإسلامي الحرية الدينية بجملة من الضمانات التي تضمن إلى حدّ كبير أيلولتها إلى الممارسة الفعلية، وهي ضمانات متنوّعة: منهجية وعقدية وقانونية.
أ ـ الضمانات المنهجية
في بعض الأحوال يصبح الإنسان توّاقا إلى أن يكون حرّا في معتقده، ويغدو ساعيا في واقع أمره إلى أن يكون كذلك، ولكنّه لا يتحقّق له من ذلك شيء، فإذا هو في هذا الشّأن يتوهّم الحرّية ولكنه يعيش الاستبداد من حيث لا يشعر في كثير من الأحيان، وما ذلك إلاّ لوجود خلل في الشروط المنهجيّة التي تضمن له بالفعل ممارسة الحرّية في الاعتقاد؛ ولذلك فقد جاء في التشريع الإسلامي توجيه إلى امتلاك جملة من الشروط تمثل ضمانات لهذه الحرية أن تكون منزّلة في الواقع، بل قد اعتبرت بعض تلك الشروط محدّدا في القيمة الإيمانية للمعتقد كما بيّنّاه آنفا.
وفي نطاق التشريع الموجّه لضمانات هذه الحرّية جاء التوجيه القرآني آمرا بتحرير العقل من سلطان الأهواء والشهوات التي من شأنها أن تقيّد حركته الحرّة في التفكير، فيتّجه نحو اعتقاد ما تقتضيه هي لا ما يقتضيه العقل بمبادئه المنطقيّة، فتُصادر إذن حرّية التفكير والاعتقاد وإن يكن بهذا السلطان الداخلي من ذات الإنسان. ومن ذلك ما جاء في القرآن الكريم من الإنكار الشديد على من اتّخذ من الهوى إلها يتّبع أوامره ونواهيه في حركته العقلية بما يلغي حرّيته في ذلك بصفة كاملة، وهو مقتضى قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاَ} (الفرقان/43) . ومن ذلك أيضا ما جاء من نهي مشدّد عن أن يكون لأهواء النفوس استبداد على العقل يفضي به إلى الخطإ في معتقده، وبالتالي إلى الجور في أحكامه، وهو ما يفيده قوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة/8) .
ومن ذلك التوجيه المنهجي أيضا ما جاء في القرآن الكريم من إنكار شديد على أولئك الذين سلّطوا على أنفسهم سلطانا خارجيا يتّبعون ما يُريهم من المعتقدات، فيفقدون بذلك حرّيتهم في التفكير، ويفقدون بالتالي حرّيتهم في الاعتقاد جرّاء هذا السلطان الخارجي الذي حكّموه في عقولهم. وقد يكون ذلك السلطان متمثّلا في الآباء والأجداد، كما قد يكون متمثّلا في الكهنة ورجال الدين، أو كلّ من يُمكّن من النفوس فيسطو عليها. ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} (الزخرف/22) ، وما جاء في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} (التوبة/31) ، فكلّ من أولئك وهؤلاء أُنكر عليهم تسليمهم عقولَهم لسلطان خارجي يملي عليها ما ينبغي من معتقدات بحسب ما يراه، بديلا من أن تكون هي بذاتها محصّلة لمعتقداتها جرّاء حرّية التفكير التي تنتهي بحرّية المعتقد.
إنّ هذه الضمانات المنهجية التي تضمن حرّية التفكير والمعتقد بتحريرها العقل من السلطان الداخلي والخارجي الذي يصادر تلك الحرّية وردت في هذه التوجيهات على أنّها إرشاد عامّ للإنسان قبل أن يتبنّى أيّ معتقد من المعتقدات، وبعد أن يعتنق معتقدا مّا منها، فهي تضمن إذا الحرّية في الابتداء والحرّية من أجل المراجعة والتصحيح، وإذا كان