الصفحة 14 من 28

النظرية مظنّة تصرّف كيدي، إذ من أقوى الأساليب في الكيد للمعتقد الإسلامي والتخذيل عنه أن يعتنق الإنسان هذا المعتقد ثمّ بعد فترة يتركه ليعود إلى معتقد آخر، إذ دلالة ذلك أنّ هذا المعتقد الذي وقع تبنّيه جُرّب بالتطبيق الفعلي فتبيّن أنّه لا تستقيم به الحياة، ويكون الأمر أفتك في الكيد، وأبلغ في إحداث الأثر السلبي حينما تكون الردّة جماعية، إذ من أمضى ما يُقاوم به دين من الأديان أن تعتنقه جموع كثيرة من الناس ثمّ ترتدّ عنه بصفة جماعية، وتلك طريقة معهودة في الكيد السياسي تستعمل لتخذيل المنظّمات والأحزاب والحكومات، وهي تحدث نفس الأثر أو أشدّ في الكيد الاعتقادي.

وعلى الصعيد الواقعي فإنّ الرّدّة عن الإسلام استعملت وسيلة كيدية بالغة التأثير، فقد جاء في تفسير الرازي أنّ طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين، فكانوا يظهرون الإيمان تارة، والكفر أخرى، على ما أخبر الله تعالى عنهم أنّهم قالوا: {آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} [1] وهو أيضا ما جاء في سيرة ابن هشام من أنه «قال عبد الله بن صيف، وعدي بن يزيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع، ويرجعون عن دينه» [2] ، فهؤلاء إنّما كانت ردّتهم ردّة كيدية للتشكيك في الإسلام وصرف الناس عنه. وفي هذا الباب تندرج الرّدّة الكبرى التي حدثت في عهد أبي بكر، فقد كانت ردّة ذات بعد تآمري على الإسلام، ولم تكن مجرّد اختيار حرّ للمعتقد، ومن أجل ذلك قوبلت بما قوبلت به من الحزم في المقاومة.

والعقوبة القاسية التي فرضت في حقّ الردّة لعلّ من أهمّ مبرّراتها هذا البعد الكيدي من أبعادها، فالردّة في نطاق النظام الإسلامي شديدة الإغراء بالكيد، إذ هي حينما تكون كيدية فإنّها تكون بالغة التأثير على المجتمع الإسلامي، وذلك باعتبار أنّ المجتمع الإسلامي أُقيمت كلّ الحياة فيه على أساس ديني، فالكيد بالردّة يمكن أن يفضي إلى هدم المجتمع بأكمله، وذلك نظير ما يُسمّى في قوانين الدولة الحديثة بجريمة الخيانة العظمى التي تغلّظ فيها العقوبات بما هي تهديد حقيقي لنظام المجتمع بأكمله. وأمّا المجتمعات التي لا تُقام فيها الحياة على أساس ديني وإنّما الدين فيها شأن فردي، فإنّ الردّة فيها لا تغري بالكيد، إذ تأثيرها يكاد لا يتعدّى حدود المرتدّ في حياته الفردية الخاصّة. وربما يكون من الشواهد على ذلك أنّ الردة إذا كانت مستترة في ضمير المرتدّ دون أن تظهر في أقواله وأفعاله فإنها لا ينطبق عليها العقاب حتى وإن عُلمت حقيقتها علم اليقين.

ولعلّ هذا الملحظ هو ما ذهب ببعض الباحثين من المسلمين إلى الميل بحكم الردّة نحو أن يكون حكما تعزيريا يُترك فيه تحديد العقوبة إلى وليّ الأمر بحسب ما يقدّر في شأن المرتدّ من أنّ ردّته كيدية أو غير كيدية ليكون العقاب على حسب ذلك في الشدّة، مستدلّين بأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان حكمه في أحوال المرتدّين مختلفا بالتخفيف والتشديد بين واحد وآخر، ومستدلّين أيضا بذلك الحوار الواسع الذي جرى بين الخليفة أبي بكر وبين الصحابة في شأن قتال المرتدّين، فهو حوار اجتهادي لتقدير الحكم في شأن هذه الردّة. وبناء على ذلك فإنّ عقوبة المرتدّ ليست عقوبة على تغيير المرتدّ لدينه، وإنّما هي عقوبة على ذلك البعد الكيدي في الردّة، وهي بذلك تمثّل خطّا مانعا من الحرّية في المعتقد [3] .

4 ـ ضمانات الحرية الدينية

(1) الرازي ـ التفسير الكبير:6/ 79.

(2) ابن هشام ـ السيرة: 470

(3) راجع تفصيلا لذلك في: راشد الغنوشي ـ الحرّيات العامّة في الدولة الإسلامية: 48 وما بعدها. وطه جابر العلواني ـ لا إكراه في الدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت