الناس، وفي إحداث إصلاحات فردية واجتماعية مشهودة بها، ومن أولئك على سبيل المثال محمد إقبال وحسن البنّا ومالك بن نبي، فهؤلاء وكثير غيرهم لم يكونوا من المختصّين في العلوم الشرعية، ولكنّهم باعتبارهم مسلمين نظروا في دينهم نظرا حرّا مع امتلاك الأدوات المنهجيّة لذلك النظر، فتوصّلوا إلى أفهام في جملة من قضاياه تحمل من الحقّ لمّا عبّروا عنها تعبيرا حرّا أيضا ما جعلها تحدث تغييرا إصلاحيا واسعا.
ولكنّنا في ذات الوقت لا نرى من مبرّر لموقف كثيرين لم يمتلكوا من الأدوات المنهجية ولا من الشروط الموضوعية للنظر في الدين شيئا، ثمّ هم باسم حرّية الرّأي الديني يتصدّون للإفتاء الأكبر في أمّهات القضايا الدينية، بل قد يتصدّون أيضا للإفتاء في تفاصيل الأحكام الجزئية ذات الطبيعة التقنية الدقيقة، فإذا هم يصدرون من الآراء والأفهام والأحكام ما يعبّرون عنه على أنّه من حقيقة الدين ومن مقتضيات مقاصده، ولكنّه في حقيقته لا يعدو أن يكون من محض آرائهم هم التي اخترعوها أو استجلبوها، ثمّ أظهروها على أنّها فهم ديني ناشئ من النظر الحرّ في مصادر الدين، فكان ما انتهوا إليه بفقدانهم للشروط المنهجية والموضوعية أقرب إلى العبث منه إلى الجدّ، وإلى الإسقاط منها إلى التفكير الحرّ.
وبين الميل إلى ذاك التخصيص لحرّية التفكير الديني والتعبير عنه، والميل إلى هذا التعميم المتفلّت من القيود المنهجية الموضوعية يمكن أن تستوي المعادلة بما استوت عليه في بادئ أمرها، وذلك بأن تكون الحرّية في الرّأي الديني تفكيرا وتعبيرا حقّا مشاعا للمسلمين عامّة، غير محصور في أفراد أو فئات منهم على أيّ اعتبار من الاعتبارات، وأن يكون ذلك الحقّ مشروطا بامتلاك أسبابه المتمثّلة في التوفّر على الحدّ الأدنى من الشروط المنهجية التي تمكّن من النظر في الدين للتوصّل إلى أفهام في أحكامه ومقاصده ومقتضياته.
وإذا ما استوت المعادلة على هذا النحو، فاكتسى النظر الحرّ في الشأن الديني الإخلاص والجدّية، وابتعد عن الدسيسة والعبثية، فلا ضير أن تنتج تلك الحرّية تعدّدا في الاجتهادات والآراء، مهما يكن ذلك التعدّد بالغا مبلغ التقابل أو التناقض؛ لأنّ الحكم في سوق الحوار الدائر بين تلك الاجتهادات والآراء سيكون هو سلطان الحجّة العلمية نقليّة وعقلية، وسيكون لهذا السلطان قوّة الفرز بين ما هو صحيح فيبقى وما هو خاطئ فيبطل، وبين ما هو راجح فيُعمل به وما هو مرجوح فيُحفظ في الذاكرة الثقافية عسى أن يرجح في يوم مّا أو في ظرف مّا فيعمل به، وتلك هي الآلية التي ازدهرت بها الثقافة الإسلامية، وأثرى بها التراث الفقهي والعقدي بتعدد المذاهب ثراء تباهي به الأمّة الإسلامية الأمم، وهي الآلية ذاتها التي يمكن أن تعيد الفكر الديني إلى سالف عهده الثريّ.
د ـ الحرية الدينية وحكم الردة
كثيرا ما يُعترض على اعتبار الإسلام مشرعا للحرية الدينية بأنه يمنع الخروج من المعتقد الإسلامي بعد اعتناقه، وهو المعروف بحكم الردة الذي جاء حكما قاطعا في التحريم، قاسيا في العقوبة، فإذا كان الإسلام على قول هؤلاء يشرع لحرية الدين فلماذا يمنع أن يكون الإنسان حرا في الخروج من الإسلام كما كان حرا في الدخول إليه؟ إنه على رأيهم إذن ضرب من الإكراه يتناقض مع الحرية الدينية.
وفي التعليق على هذا الاعتراض إضافة إلى ما هو معهود متداول في هذا الشأن يمكن القول إنّ ما جاء في تعاليم الإسلام من منع للردّة، ومن حكم مغلّظ في شأنها إنّما يندرج ضمن قيد من قيود حرّية المعتقد، وهو توقّف هذه الحرّية عند الحدّ الذي تنقلب فيه حرّية الاعتقاد تصرّفا كيديا، فالرّدّة عن المعتقد الإسلامي بعد اعتناقه هي من الناحية