الصفحة 12 من 28

الزمن ما اشتملت عليه المجتمعات المسلمة في كل مكان وزمان من فئات دينية تعيش بين المسلمين حرة في دينها.

ج ـ حرية الفهم الديني

لم يكن الإسلام في تشريعه للحرية الدينية مقتصرا على حرية المعتقد أن يكون صادرا عن نظر حرّ وعن اختيار حرّ، بل تعدى ذلك ليكون مشرّعا للحرية في فهم الدين بعد الإيمان به، فأحكام الدين مضمّنة في نصوص القرآن والسنة، ومسؤولية المسلم في التدين مسؤولية فردية تقوم على فهمه لتلك الأحكام من نصوصها فهما حرا لا سلطان فيه لوصي من الناس له الحقّ في أن يفهم الأحكام حكرا من دون الناس، ليكونوا هم تابعين له في ذلك الفهم، وذلك خلافا لأديان أخرى تستبدّ فيها طبقة كهنوتية بالتأويل الديني ليكون تأويلا للأتباع، أما الإسلام فلا كهنوت فيه، وإنما المسلمون متساوون فيه في حرية الفهم، ولا يشترط عليهم إلا شروط منهجية تؤهّل للفهم، فإذا ما حصلت تلك الشروط أصبح كل مسلم مهيّأ لأن يكون عالما في الدين، حرا في أن يفهم كما يرى الفهم، وفي أن ينشر فهمه على الناس.

ومن هذه الحرية في الفهم نشأت المذاهب الإسلامية المتعددة في العقيدة وفي الشريعة، فتلك المذاهب اتفقت في الأصول، ولكنها اختلفت في الفروع، نتيجة لما أباحه الإسلام من حرية أدّت بمؤسّسيها وعلمائها إلى أن يجتهدوا في استخراج الأحكام من مداركها، كل بحسب منهجه وظروفه الزمانية والمكانية، لينتهي إلى رأي تنامى ليصبح بمرور الأيام مذهبا قائما يختلف عن مذهب غيره فيما هو من مجال الاجتهاد، فليست المذهبية إذن إلا ثمرة من ثمرات الحرية الدينية كما جاءت في الشريعة الإسلامية.

وفي هذا الصدد نريد أن نناقش أطروحة ظهرت منذ بعض الزمن ينادي بها بعض المنتمين إلى العلوم الشرعية، وهي ذات علاقة بالحرية الدينية فيما يتعلق بفهم الدين والاستنباط منه، ونشر الأفهام والاستنباطات بين الناس، وتلك الأطروحة هي التي تدعو إلى أنه ينبغي أن يكون إبداء الرّأي في الدين حكرا على مجموعة من المختصّين مثل إبداء الرّأي في الطبّ أو في الهندسة أو في أيّ اختصاص علميّ آخر؛ فهذه الأطروحة تخالف ما انتهينا إليه آنفا من أنّ فهم الدين من حيث المبدأ هو مسؤولية مشاعة بين المسلمين تنضوي تحت مسؤولية التكليف بالدين عموما، فلكلّ مسلم بل على كلّ مسلم الحقّ في أن يقوم بها باجتهاده إن توفّر على إمكان ذلك، أو بالاستعانة بغيره إن لم يتوفّر عليه، ثمّ إنّ التعبير عن ذلك الفهم هو أيضا من حيث المبدأ حقّ مشاع لا يُستثنى منه مسلم، إلاّ إذا أدّى الأمر إلى فتنة أو كان عملا عبثيا، فتُقيّد الحرّية إذن اعتبارا لتلك العوارض لا لأصل المشروعية.

وما يُقال من أمر الاختصاص على أيّ وجه حُمل معناه ليس بميزان صحيح يضمن الرّشد في الفهم ويعصم من الخطإ فيه، والشاهد على ذلك أنّ كثيرا ممّن يُعتبرون من المختصّين باعتبار التخرّج من الدراسات الشرعية، أو باعتبار التصدّي للمناصب الدينيّة من إمامة وغيرها نراهم اليوم يمارسون حرّية التفكير الديني، فيتوصّلون إلى تصوّرات في مسائل دينيّة يحملونها قناعة، وينشرونها بين الناس دعوة، والحال أنّها تصوّرات كثيرا ما يجانبها الصواب لسقوطها في الجزئيّة، وتغافلها عن المقاصد الشرعية، وهي تحدث بذلك أحيانا فتنة بين الناس، وتكون لها آثار مرهقة للإسلام والمسلمين.

وفي مقابل ذلك فإنّ ثلّة من المصلحين الدينيّين والمفكّرين الإسلاميين ليس لهم صفة التخصّص المجيز لحرّية الرّأي الديني بحسب رأي أصحاب هذه الأطروحة لا على معنى التخرّج العلمي ولا على معنى المناصب المهنية، ولكنّهم لمّا مارسوا حرّيتهم في التفكير والتعبير أبدعوا في إصابة الحقيقة من حيث الفهم، كما أبدعوا في تبليغها إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت